الصفحة 19 من 170

"وجميع ما في القرآن مما يجري من التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى، صفاء اللفظ، وتضمن الحلاوة، لما يجري مجراه من كلام الخلق، الا ترى الى قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا - فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا - فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا - فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا - فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) [1] ."

ويقول:"إذا سلم من التكلف، وبريء من التعسف، لم يكن في جميع صنوف الكلام احسن منه ..." [2] .

يُقهمُ من كلام أبي هلال العسكري انه مخالف لما دعا اليه كل من الرماني والباقلاني، ومن سار على نهجهم، فهو لا يذم السجع عامةً، الا ما كان منهُ متكلفًا، ومتعسفًا فانهُ مذموم عنده. اما ما جاءَ منه خاليًا من التكلف وقد خرج على الطبع، فهو محمودٌ عندهُ، وهو يقول بسجع القرآن، ولكنهُ سجع من نوع خاص، لا يمكن لاحد أن يجاريه أحدٌ او يحاذيه.

ابن سنان الخفاجي: (ت466هـ)

وابن سنان يسمي ما في القرآن الكريم من المقاطع المتماثلة سجعًا، الا انه يعده من السمو والعلو بحيث لا يستطيع أحدٌ من البشر أن يسمو سموه.

وهو لا يرى صحة في رأي من نفوا السجع من القرآن، بل يخالفهم في رأيهم كما يتجلى ذلك في قوله:"وأظن أن الذي دعا أصحابنا الى تسمية كل ما في القرآن فواصلَ، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعًا، رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة، وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب" [3] .

ثم يقول ردًا على معترض:

"فاذا قال القائل: إذا كان عندكم أن السجع محمود، فهلا ورد القرآن كلهُ مسجوعًا، وما الوجه في ورود بعضه مسجوعًا وبعضه غير مسجوع؟."

(1) سورة العاديات، الآيات: (1-5) .

(2) كتاب الصناعتين: 260.

(3) سر الفصاحة: 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت