الصفحة 6 من 39

ثانيها: أنَّه أعظم في الأدب والتعظيم، ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الصوت، وإنَّما تخفض عندهم الأصوات، ويخفت عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومَنْ رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى، فإذا ربنا يسمع الدعاء الخفي، فلا يليق بين يديه إلاَّ خفض الصوت.

ثالثها: أنَّه يعني الإخفاء. أبلغ في التضرُّع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده، فإنَّ الخاشع الذليل الخاضع إنَّما يسأل مسألة ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته.

رابعها: أنَّه أبلغ في الإخلاص.

خامسها: أنَّه أبلغ في جمعه القلب على الله في الدعاء، فإنَّ رفع الصوت يفرّقه ويشتّته، فكلّما خفض صوته كان أبلغ في حمده، وتجريد همته، وقصده للمدعو سبحانه وتعالى.

سادسها: وهو من النكت السريعة البديعة جدًا أنَّه دالٌّ على قرب صاحبه من الله، وأنَّه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله أقرب شيء إليه، فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.

سابعها: أنَّه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإنَّ اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنّه يكلّ لسانه وتضعف بعض قواه" [1] ."

مع هذا كلّه يجب أنْ يكون الداعي حاضر القلب، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عزَّ وجلَّ أيُّها النَّاس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل) [2] .

[3] رفع اليدين عند الدعاء:

(1) التفسير القيم: للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، ص 87.

(2) مسند الإمام أحمد، مسند عبد الله بن عمرو، برقم 6368، 2/406 (المكتبة الشاملة، الإصدارة الثانية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت