كما أنَّ الدعاء مع هذه الهيئة يكون كما قال الله تعالى { خُفْيَةً } ؛ لأنَّ ذلك يكون أبعد من الرياء، ولقد مدح الله زكريا - عليه السلام - بقوله { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [مريم: 3] ، وقال تعالى: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } [الإسراء: 110] ، ذكر صاحب"التفسير الكبير":"إنَّ المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وأبي هريرة، ومجاهد، وروي هذا مرفوعًا أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الآية: إنَّما ذلك في الدعاء والمسألة، لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك، فتعير بها، فالجهر بالدعاء منهي عنه، والمبالغة في الإسرار غير جائزة، والمستحب من ذلك التوسُّط وهو أنْ يسمع نفسه، كما روي عن ابن مسعود أنَّه قال:"لم يخافت من أسمع أذنيه". وروي عن الإمام مالك أنَّه قال:"إنَّما أنزلت هذه الآية { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } [الإسراء: 110] في الدعاء" [1] ."
وفي"الجامع لأحكام القرآن"أنَّ الشريعة مقرّرة أنَّ السر فيما يعترض من أعمال البر أعظم أجرًا من الجهر. قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض عمل يقدرون على أنْ يكون سرًا فيكون جهرًا أبدًا [2] .
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت إنْ هو إلاَّ همس بينهم وبين ربهم، وذلك أنَّ الله تعالى يقول: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } [الأعراف: 55] .
ويبيّن العلامة ابن قيم الفوائد العديدة لإخفاء الدعاء، فيقول:
أولها: أنَّه أعظم إيمانًا؛ لأنَّ صاحبه يعلم أنَّ الله يسمع دعاءه الخفي.
(1) انظر: التفسير الكبير، للإمام فخر الدين الرازي، دار الكتب العلميّة، 11/72.
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، 7/223-224.