الصفحة 4 من 39

قال الإمام القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ:"هذا أمر بالدعاء وتعبُّد به، ثم قرن جلّ وعزّ بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع، والاستكانة، والتضرُّع, أمر بأنْ يكون الإنسان في حالة ترقُّب وتخوُّف وتأمُّل لله عزّ وجلّ حتَّى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإنْ انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال تعالى: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } [الحجر: 49-50] ، فرجّى وخوَّف فيدعوه الإنسان خوفًا من عقابه وطمعًا في ثوابه، قال تعالى: { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] . وقال بعض أهل العلم: ينبغي أنْ يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء, قال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (لا يموتن أحدكم إلاَّ وهو يحسن الظن بالله) " [1] .

قد مدح الله تعالى عبده زكريا - عليه السلام - وأهله بتذلُّلهم عند دعائهم، قال الله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] ، ذكر الحافظ ابن كثير بسنده عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر - رضي الله عنه - ثم قال: أمَّا بعد، فإنّي أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإنَّ الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90] [2] .

(1) صحيح مسلم، باب الأمر بحسن الظن بالله، برقم 5125. وانظر: الجامع لأحكام القرآن الكريم: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، 4/223-227.

(2) تفسير القرآن العظيم: للحافظ أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، دار الفتح العربي، 3/185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت