ولهذا قال عنه العلامة ابن رجب الحنبلي:"نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من المقادسة والعلثيين من ميله إلى التأويل في بعض كلامه ، واشتد نكيرهم عليه في ذلك . ولا ريب أنّ كلامه في ذلك مضطرب مختلف ، وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب فلم يكن خبيرًا بحل شبه المتكلمين ، وبيان فسادها ... وكان معظمًا لابن عقيل ، وكان ابن عقيل بارعًا في علم الكلام ، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار ، فلهذا يضطرب في هذا الباب ... وأبو الفرج تابع له" [1] .
وابن الجوزي وأمثاله ممن ينتسب إلى السلف"ليس لهم خبرة بالعقليات ، بل هم يأخذون بما قاله النفاة من الحكم والدليل ، ويعتقدونها براهين قطعية ، وليس لهم قوة على الاستقلال بها ، بل هم في الحقيقة مقلدون فيها ، وقد اعتقد [2] أقوال أولئك ، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك ، بل إما أن يظنوه موافقًا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه" [3] .
المبحث الثاني: نسبة التأويل إلى أحمد
بعض أهل العلم ينسب إلى الإمام أحمد رحمه الله أنه تأوّل بعض الصفات ، وبعض المغرضين على مذهب السلف فرح بهذه الرواية وأنّ أحمد أوّل المجيء يوم القيامة بمجيء الثواب [4] .
والجواب عنها باختصار:
1ـ أنها من رواية حنبل ، وهو مع ثقته له مفاريد يغرب فيها .
2ـ أنها مخالفة للمشهور المتواتر عن الإمام أحمد من وجوب الإقرار بجميع الصفات وردّ التأويل وإبطاله .
3ـ أنّ حنبلًا نفسه قد نقل عن الإمام أحمد روايات في إثباته لهذه الصفات الفعلية الاختيارية ، كالمجيء والنزول .
(1) ذيل طبقات الحنابلة 3/414 ط. المعرفة . وانظر: ابن الجوزي بين التأويل والتفويض ص119 .
(2) كذا في المطبوع ، ولعل الأقرب أنها"اعتقدوا"، كما يدل عليه السياق .
(3) درء التعارض 7/32-33 .
(4) الفصل لابن حزم 2/132 .