فإن قلت: إنّ إرادته مثل إرادة المخلوقين ، فكذلك محبته ورضاه وغضبه ، وهذا هو التمثيل ، وإن قلت: له إرادة تليق به ، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به ، وللمخلوق رضى وغضب يليق به ، وإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، قيل: والإرادة ميل النفس لجلب منفعة أو دفع مضرة ، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق ، قيل لك: وهذا غضب المخلوق ... وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلاّ ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه ، قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والقدرة" [1] ."
وليت هؤلاء المتكلمين جاؤوا ولو بتأويل واحد يصحّ أن يكون تأويلًا عن الصحابة والتابعين ، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذه الأحاديث أمام أصحابه ، وكان منهم العالم والعامي ولم يُنقل في حديث عنهم أنهم استنكروا ذلك مرة واحدة . ولله در ابن تيمية حين علم ذلك فقال لخصومه من أمثال هؤلاء المتكلمين: أمهلكم ثلاث سنوات فإن أتيتم بخلاف ما قلت ولو بحرف واحد عن أحد القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنا أرجع عن ذلك - أي أقواله [2] - .
قال ابن تيمية:"إذا قدر حيّان أحدهما يضحك مما يُضحك منه ، والآخر لا يضحك قط ، كان الأول أكمل من الثاني ... فقال له أبو رزين العقيلي - لما سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنّ ربنا يضحك -: يا رسول الله ! أويضحك الرب ؟ قال:"نعم"، قال: لن نعدم خيرًا من رب يضحك ، فجعل الأعرابي بصحة فطرته ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه" [3] . ولم يقل: كيف يضحك ؟! وهل هو مثل ضحكنا ؟!
(1) الرسالة التدمرية ( ضمن مجموع الفتاوى ) لشيخ الإسلام ابن تيمية 3/17 . وانظر نحو هذه الحجة في لوامع الأنوار البهية للسفاريني 1/247 .
(2) الفتاوى 3/169 ، 197 ، 229 ، و6/15 .
(3) الفتاوى 6/121 .