والغريب من ابن الجوزي الذي يقول في مواطن من كتابه [1] : إن مذهب السلف فيها التفويض ، ولا معنى لها عندهم ! ولكن غفل - رحمه الله رحمة واسعة - عن قول الأوزاعي مثلًا:"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا" [2] .
فالإمام الأوزاعي هنا لو كان مذهبه التفويض لم يقرر أنّ الله على عرشه ، وأنّ له
صفات ، ولسكت عن ذلك ، لكن لما بدأ الكلام في الصفات ونفي الاستواء من جهم وأتباعه قرر إيمانه بتلك الصفات ، ولو لم يكن الأوزاعي يعرف معناها لم يحتج أن يقرر إيمانه بها .
كما أنّ ابن الجوزي غفل عن قول مالك - عندما سئل عن الاستواء فقال -:"الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة" [3] . فلو كان السلف لا يفهمون معنى الاستواء لما قالوا: غير مجهول ، ولما نفوا الكيف ، إذ نفي الكيف عن غير المعلوم عبث . والنافي لا يحتاج أن يقول: بلا كيف إذا كان لا يفهم المعنى ، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت [4] .
الوجه الثاني: قول ابن الجوزي:"وينبغي ألا يهمل به الأصل وهو العقل".
(1) انظر ص122 من نفس الكتاب .
(2) العلو للذهبي (137- مختصر الألباني ) ، وجوّد سنده الحافظ ابن حجر في الفتح 13/406 .
(3) اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/398 ، والبيهقي في الاعتقاد 116 . وقال ابن حجر في الفتح 13/
406:"سنده جيد".
(4) الفتوى الحموية (ضمن مجموع الفتاوى 5/41) . وانظر إتحاف أهل الفضل والإنصاف ص108 .