فأُمر به فصُلب وقال للرماة: ارموا قريبًا من بدنه. وهو يعرض عليه النصرانية فيأبى، فأنزلوه.
فدعا ملكهم بقِدْر فصب فيها زيتًا حتى احترق غليانًا، ودعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها حتى طفت عظامه على الزيت، وهو يعرض على عبد الله بن حذافة النصرانية ويأبى، ثم أمر بآخر فألقي فيها فطفت عظامه على الزيت أيضًا.. وعبد الله بن حذافة - رضي الله عنه - يأبى، فلما هموا بإلقائه بكى - رضي الله عنه - .. فقيل للملك: إنه بكى. ففرح وظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، فلما جاءه قال: ما أبكاك؟ قال: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي بأن يكون بعدد شعري أنفس تلقى كلها في النار في سبيل الله عز وجل. فقال له ملكهم: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسرى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه وقدم بالأسرى على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأخبره بخبره، فقال عمر - رضي الله عنه -: حَقٌّ على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ به. فقبل رأسه.
* العبرة المنتقاة:
إن المؤمن بالله عز وجل إذا أتته المحن والفتن والابتلاءات فلا تزيده إلا ثباتًا على الحق فلا يتزلزل ولا يتقلب بل يكون كالجبل الأشم في ثباته على دينه وتمسكه به.
حيث إن: عبد الله بن حذافة - رضي الله عنه - يُؤسر ثم يحبس ثم تأتيه الفتن والمحن ليرتد ويرجع عن دينه فلا يرضخ لها بل يثبت في مكانه ثبات الأبطال.
وصدق الله عز وجل حيث يقول: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم: 27] . [1]
يؤثر صاحبه وهو يحتضر
البطل: ابن عم حذيفة وهشام بن العاص.
البطولة: الإيثار.
تفاصيل البطولة:
(1) نزهة الفضلاء 1/211 بتصرف.