أما قوة الأول فتتجلى في أن اعتراض الدليل الثاني كان مدفوعا بأن هلال بن خباب وثقه أحمد وابن معين [1] ويدفع اعتراض الثالث والرابع بأن التنصيص على أحد أفراد العام الموافق لذلك العام لا يدل على أن باقي أفراده يخالف المنصوص عليه ، خصوصا إذا كان التنصيص سببه سؤال السائل كما ورد ذلك في بعض طرق حديث أنس الذي هو مستند المثبتين للقنوت في الصبح فقط ـ"سئل أنس: أقنت النبي في الصبح؟ الحديث" [2] لأن مطابقة الجواب للسؤال تقع من اعتبار مفهوم المخالفة [3] فلا يدل ذلك على أن سائر الصلوات لا قنوت فيها ، بل إن هذا المفهوم نطق بما يخالفه وهو ما ذكرناه عند حديثنا عن مذهب المثبتين له في جميع الصلوات ، فهذا كذلك مانع آخر يمنع من اعتبار مفهوم المخالفة [4] .
أما المثبتون له في الصبح فقط فتتجلى قوة قولهم في التقييد والإطلاق إذا كان في الحكم واتحد الحكم والسبب فإنه يجب حمل المطلق على المقيد بلا خلاف يعتد به [5] .
وهذا ما توافر في مسألتنا ، فالحكم هو مشروعية القنوت والسبب هو النازلة ، وقد ورد الحكم مطلقا في الأحاديث التي استدل بها مثبتو القنوت في جميع الصلوات ، وورد الحكم مقيدا في الأدلة التي احتج بها المثبتون له في الصبح فقط ، فوجب حمل المطلق على المقيد، فكان مقتضى ذلك أن يثبت حكم قنوت النازلة في الصبح دون غيرها . لذا فإني أميل إلى القول بالتخيير في هذه المسألة لقوة المسلكين الذين نبهت عليهما آنفا، فمن شاء قنت في جميع الصلوات عند النازلة ، ومن شاء قنت في الصبح فقط ، (كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألوا الألباب ) ، والله أعلم.
(1) نيل الأوطار 2/ 400
(2) البخاري مع الفتح 2/ 489
(3) نشر البنود 1/ 92، 1409
(4) الإحكام للآمدي 3/ 144
(5) إرشاد الفحول: 164ـ 165 ، دار الفكر