وقَدْ رُدّ هذا الوجه: بأنّ هذا التأويل بعيد ؛ لأنّه متى كان كُلّ ما يغلب على ظنّهم صحيحًا فلا يَصحّ وضْعُهم الاجتهادَ في غَيْر مَوضعه ، إلا أنْ يَجتهدوا فيما لَمْ يُبَحْ لهم الاجتهاد فيه ، وهذا يؤدي إلى التأثيم والتفسيق وما يُنَزَّه عَنْه الصحابة - رضي الله عنهم - .
الوجه الثاني: أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - إنما صرَّحوا بالخطأ في اجتهادهم ليس مِنْ باب مجانَبة الصواب ، وإنما إظهارًا لِلتواضع والخوف مِن الله تعالى كما يقولون:"إنّا نؤمِن بالله إنْ شاء الله"مع أنّهم لَمْ يَشكّوا في إيمانهم (2) .
الجواب عَنْ هذا الوجه:
وهذا الوجه - عندي - مردود مِنْ وجوه:
الأول: أنّا لا نُسَلِّم أنّ تصريحهم بالخطأ إنما هو إظهار لِلتواضع ؛ لأنّه يؤدي إلى أنّ كُلّ مجتهد مصيب ، وليس كذلك ؛ فقدْ ثبت خطأُ اجتهاد بَعْضهم وأَقَرّ بذلك .
(1) أَخْرَجَه البيهقي 6/123
(2) يُرَاجَع: المستصفى /361 وإحكام الفصول /712 - 714 والعدة 5/1556 والإحكام لِلآمدي 4/193 ، 194
الثاني: سلَّمْنَا - جدلًا - أنّه إظهار لِلتواضع والخوف مِن الله تعالى ، لكن هذه العلة لا تَكون مقبولةً في حقّ مَنْ يُظْهِر خطأ غَيْره: كما حَدَث مع عَلِيّ في تخطئته عثمانَ وابنَ عوف - رضي الله عنهم - .
الثالث: أنّ قياس التصريح بالخطأ على قولنا:"أنَا مؤمِن إنْ شاء الله"قياس مع الفارق ؛ لأنّ الأصل - في حقّ المؤمِن - لا شكّ فيه ، والفرع ليس كذلك ؛ لأنّ الاجتهاد مبنيّ على غلبة الظن ، ولا يدري المجتهد أصادَف الحقَّ في اجتهاده أمْ لا .
الدليل الرابع: أنّه لو كان كُلّ مجتهد مصيبًا لأدى ذلك إلى حِلّ الشيء وتحريمه ، وهو مُحَال ، فدَلّ ذلك على أنّ كُلّ مجتهد ليس مصيبًا ..