الأول: أنّا لا نُسَلِّم أنّ هذه المسألة أصولية قطعية ، وإنما هي فرعية ظنية فقُبِل فيها خَبَر الواحد .
الثاني: أنّ هذا الحديث - وإنْ كان آحادًا - لكنّه في معنى المتواتر ؛ لِورود معناه مِنْ طُرُق كثيرة ، ولِذَا جاز الاستدلال به في هذه المسألة .
الوجه الثاني: سلَّمْنَا - جدلًا - أنّ الحديث في معنى المتواتر ، لكنْ لا نُسَلِّم دلالتَه على المطلوب ؛ لأنّها قضية شرطية ، وهي لا تقتضي الوقوعَ ولا إمكانَه .
الجواب عَنْ هذا الوجه:
وقَدْ رُدّ هذا الوجه مِنْ وجْهيْن:
الأول: أنّه قَدْ تَقَرَّر في عِلْم المَعاني أنّ أصْل"إذا"الجزم بوقوع الشرط في اعتقاد المتكلِّم ، بخلاف"إنْ"، وقَدْ وَرَد التعبير بـ"إذا"في بَعْض الروايات ، فيُحْمَل عَلَيْهَا غَيْرها مِمَّا عُبِّر فيه بما لا يفيد الوقوع .
الثاني: أنّ إمكان الوقوع واللا وقوع يَستلزم اتحاد الحقّ ؛ إذ لو تَعَدَّد الحقّ لَمَا أَمْكَن وقوع الخطأ ، واتحاده يَستلزم وقوع الخطأ بالفعل ؛ ضرورة اختلاف المجتهدين بالفعل في القضية الواحدة على وجوه كثيرة .
الوجه الثالث: أنّ هذا الحديث دلالته على أنّ"كُلّ مجتهد مصيب"أَوْلى لأنّ المخطئ لِحُكْم الله والحاكم بغَيْره لا يجوز أنْ يَكون مأجورًا على الحُكْم بلْ أَقصَى حالاته أنْ يَكون ذنْبُه مغفورًا .
الجواب عَنْ هذا الوجه:
وقَدْ رُدّ هذا الوجه مِنْ وجْهيْن:
الأول: أنّ ادعاءكم عدم الأجر في حقّ المجتهد المخطئ مُخالِف لِنَصّ الحديث الذي حدَّده له أجرًا ولِلمصيب أجريْن .
الثاني: أنّه إنْ وقَع الاجتهاد المعتبَر فيما ذَكرتموه ثبت المدَّعَى ، وهو خطأ بَعْض المجتهدين في الجملة ، وإذا كان كذلك لَمْ يَكُنْ كُلّ مجتهد مصيبًا (1) .
الدليل الثالث: أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - أَجمَعوا على إطلاق لفْظ الخطأ في الاجتهاد مِنْ غَيْر نكير مِنْهُمْ ، مِمَّا يَدُلّ على أنّ كُلّ مجتهد ليس مصيبًا ..