فَكَانَ هَذَا وغَيْرُهُ أحَدَ الأسْبَابِ الَّتِي دَفَعَتْنِي إلى تَرْسِيْمِ هَذِهِ الاسْتِدْرَاكَاتِ النَّاصِحَةِ نَحْوَ مَا تَقُوْمُ بِهِ هَذِهِ الدَّوْرَاتُ العلْمِيَّةُ مِنْ تَقْنِيْنٍ وتَرْتِيْبٍ لحِفْظِ السُّنَّةِ لدَى طُلَّابِ العِلْمِ المُقْبِلِيْنَ إلَيْهَا، الأمْرُ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةَ تَقَعُ في بَعْضِ الأخْطَاءِ الَّتِي مِنْ شَأنِهَا أنْ تَدْفَعَ أصْحَابَهَا إلى اطِّرَاحِ طَرِيْقَةِ حِفْظِ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» كَمَا هُوَ مَاثِلٌ مِنْ خِلالِ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ، والاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بحِفْظِ أصْلِ البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ، كُمَا هُوَ الشَّأنُ عِنْدَ أئِمَّتِنَا سَلَفًا وخَلَفًا .
-لِذَا كَانَ مِنْ بَيَانِ الحَقِّ، وبَذْلِ النَّصِيْحَةِ أنْ نَقُوْلَ: إنَّ طَرِيْقَةَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ السَّائِرَةِ في حِفْظِ السُّنَّةِ لطُلَّابِ العِلْمِ عَنْ طَرِيْقِ حِفْظِ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» لهِي طَرِيْقَةٌ غَيْرُ صَحِيْحَةٍ في الجُمْلَةِ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي باخْتِصَارٍ:
الاسْتِدْرَاكُ الأوَّلُ: أنَّ كُتُبَ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» ، و «الزَّوَائِدِ» ، لم تُؤلَّفْ ولم تُصَنَّفْ سَلَفًا وخَلَفًا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلَّا لأرْبَعَةِ أمُوْرٍ في الأعَمِّ الغَالِبِ:
الأوَّلُ: أنَّها لم تُؤلَّفْ عِنْدَ غَالِبِ أصْحَابِهَا إلَّا بقَصْدِ التَّقْرِيْبِ لأحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ، بحُجَّةِ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِم قَدْ ضَاقَتْ أوْقَاتُهُم، وقَصُرَتْ هِمَمُهُم، وضَعُفَتْ عَزَائِمُهُم عَنْ حِفْظِ ودِرَاسَةِ الأحَادِيْثِ مَتْنًا وسَنَدًا، ولاسِيَّما أحَادِيْثُ الصَّحِيْحَيْنِ .