الصفحة 48 من 87

كَمَا أنَّ الشَّيْخَ اليَحْيَى حَفِظَهُ الله لم يَلْتَزِمْ بتَبْوِيْبِ البُخَارِيِّ؛ حَيْثُ تَرْجَمَ لحَدِيْثِ أبي هُرِيْرَةَ الثَّاني، بقَوْلِهِ: «بَابُ سُؤَالِ جَبْرِيْلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الإيْمانِ» ، عِلمًا أنَّ البُخَارِيَّ رَحِمَهُ الله لم يَقْتَصِرْ في التَّرْجَمَةِ على الإيْمانِ، بَلْ قَالَ: «بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيْلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الإيْمانِ والإسْلامِ والإحْسَانِ، وعِلْمِ السَّاعَةِ» ، فأيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟، كَمَا أنَّنَا مَهْمَا اعْتَذَرْنَا لليَحْيَى في تَصَرُّفِهِ في اخْتِصَارِ التَّرْجَمَةِ، إلَّا أنَّنا أيْضًا لا نَعْذُرُهُ فِيْما يَأتي .

يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ التَّرْجَمَةَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا اليَحْيَى مُوْهِمَةٌ ومُشْكِلَةٌ؛ لأنَّ الطَّالِبَ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا قَدْ يَفْهَمُ مِنْهَا أنَّ تَعْرِيْفَ الإيْمانِ: مَا ذُكِرَ في حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ قَطُّ، وأنَّ سُؤالَ جَبْرِيْلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ عَنِ الإيْمانِ قَطُّ!

عِلمًا أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ تَعْرِيْفِ الإيْمانِ والإسْلامِ؛ حَيْثُ أنَّهُم جَعَلُوا لكُلٍّ مِنْهُما تَعْرِيْفًا عِنْدَ الاقْتِرَانِ، وتَعْرِيفًا آخَرَ عِنْدَ الافْتِرَاقِ، فَالإيْمانُ إذَا أُطْلِقَ دَلَّ مَعْنَاهُ على مَعْنَى الإسْلامِ، والعَكْسُ صَحِيْحٌ، كَمَا هُوَ ظَاِهِرُ حَدِيْثِ ابنِ عَبَّاسٍ الأوَّلِ، وإذَا اقْتَرَنَا دَلَّ مَعْنَى الإيْمانُ على الأعْمَالِ القَلْبِيَّةِ، ودَلَّ مَعْنَى الإسْلامِ على الأعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيْثُ أبي هُرَيْرَةَ الثَّاني، والله أعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت