فانْظُرْهُم في كِتَابِ «تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ» للذَّهَبيِّ، أو في كُتُبِ التَّراجِمِ والطِّبَاقِ لتَعْلَمَ أنَّ القَوْمَ قَدْ تَرَبَّعُوا على أسِرَّةِ العِلْمِ والفِقْهِ، وتَوَسَّدُوا مَوَاطِنَ الفَهْمِ والحِفْظِ؛ حَيْثُ سَارَتْ بأخْبَارِهِم وكُتُبِهِم الرُّكْبَانُ في مَشَارِق الأرْضِ ومَغَارِبِهَا، وضَرَبَتْ إلَيْهِم أعْطَانُ الإبْلِ بأكْبَادِهَا؛ ومِنْ هُنَا ارْتَفَعَ شَأوُهُم، وعَلا كَعْبُهُم، وظَهَرُ حِفْظُهُم، وبَانَ فَضْلُهُم، فَعِنْدَهَا عَجِزَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُم أنْ يَأتي بمِثْلِهِم، وضَعُفَ مَنْ مَشَى خَلْفَهُم أنْ يَقْوَى سَعْيَهُم، والله يُؤتي فَضْلَهُ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ المُؤمِنِيْنَ!
والحَالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُ؛ فَقَدِ اقْتَصَرَ أكْثَرُ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ على حِفْظِ أصُوْلِ الكُتُبِ السِّتَّةِ أو التِّسْعَةِ، ومَا زَادَ عَلَيْهَا اسْتَدْرَكُوْهُ مِنْ خِلالِ صِنَاعَةِ كُتُبِ «الزَّوَائِدِ» ، و «الأفْرَادِ» الَّتِي قَرَّبَتْ إلَيْهِمُ البَعِيْدَ، وسَهَّلَتْ عَلَيْهِمُ العَصِيْبَ .
وهَذَا مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الصِّنَاعَةِ ورَئِيْسُ البِضَاعَةِ ممَّن مَهَرَ واشْتَهَرَ في فَنِّ «الزَّوَائِدِ» الحَافِظُ نُوْرُ الدِيْنِ عليُّ بنُ أبي بَكْرٍ الهَيْثَمِيُّ رَحِمَهُ الله (807) كَمَا جَاءَ في مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ «كَشْفِ الأسْتَارِ عَنْ زَوَائِدِ البَزَّارِ» (1/5) : «فَقَدْ رَأيْتُ مُسْنَدَ أبي بَكْرٍ البَزَّارِ المُسَمَّى: بـ«البَحْرِ الزَّخَّارِ» قَدْ حَوَى جُمْلَةً مِنَ الفَوَائِدِ الغِزَارِ يَصْعُبُ التَوَصُّلُ إلَيْهَا على مَلْتَمِسِهَا، ويَطُوْل ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُخَرِّجَهَا، فأرَدْتُ أنْ أتَتَبَّعَ مَا زَادَ فِيْهِ على الكُتُبِ السِّتَّةِ!» .