يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ عَامَّةَ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِيْنَ (سَلَفًا وخَلَفًا) لم يَكُوْنُوا عِنْدَ تَحْدِيْثِهِم أو شَرْحِهِم: يَعْزُوْنَ الأحَادِيْثَ النَّبَوِيَّةَ إلى كُتُبِ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» إلَّا عِنْدَ اعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ هِيَ مِنْ شَأنِ المُشْتَغِلِيْنَ بالحَدِيْثِ، ولاسِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ بَعْضِ زِيَادَاتِ الحُمَيْدِيِّ في كِتَابِهِ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَاداتُ في السَّنَدِ أو المَتْنِ، أو غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الاعْتِبَارَاتِ العَارِضَةِ التي يَطُوْلُ ذِكْرُهَا، ومَعَ هَذَا أيْضًا لم يَكُنْ دَيْدَنُهُم هُوَ النَّقْلُ أو التَّحْدِيْثُ أو العَزْوُ إلى كُتُبِ «الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ» !
وأدَلُّ شَيءٍ عَلى هَذَا أيْضًا: هُوَ مَا كَتَبَهُ وحَرَّرَهُ أهْلُ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا في كُتُبِهِم ورَسَائِلِهِم ومَقَالاتِهِم وإمْلاءَاتِهِم ... الشَّيءُ الَّذِي يَدُلُّنَا صَرَاحَةً إلى أنَّ تَصَرُّفَاتِ أهْلِ العِلْمِ وعَزْوَهَم وإحَالاتِهِم عِنْدَ التَّحْدِيْثِ والتَّألِيْفِ والعَزْوِ: هُوَ مَا كَانَ مِنْهُم إلى أصُوْلِ كُتُبِ السُّنَّةِ ابْتِدَاءً بالصَّحِيْحَيْنِ، وانْتِهَاءً بالسُّنَنِ الأرْبَعِ، وغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ الأصُوْلِ .
فَدُوْنَكَ مَثَلًا: مَا كَتَبَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ (463) ، والخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ (463) ، والنَّووِيُّ (676) ، وابنُ قُدَامَةَ (620) ، وابنُ تَيْمِيَّةَ (728) ، وابنُ القَيِّمِ (751) ، وابنُ كَثِيرٍ (774) ، والذَّهِبيُّ (748) ، وابنُ حَجَرٍ (852) ، والشَّاطِبيُّ (790) ، وابنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (1206) ، والشَّوكَانيُّ (1250) ، ومُحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيْمَ (1389) ، والسعدي (1376) ، وابنُ بَازٍ (1420) ، وهَكَذا في سِلْسِلَةٍ سَلَفِيَّةٍ مِنْ أئِمَّةِ السُّنَّة والأثَرِ!