والحكم على الرواة السابقين بأنهم مقبولون إن كان لأنهم أو أكثرهم أو بعضهم كانوا من المقلين أي لم يكن لهم من الحديث إلا القليل فليس بشيء في الحقيقة ؛ لأن كون الراوي كثير الحديث لا يستلزم أن يكون ثقة أو صدوقا فكم من راو له من الحديث الكثير ، ومع ذلك فهو محكوم عليه بالضعف الشديد ، وكون الراوي قليل الحديث لا يستلزم أن يكون ضعيفا ضعفا هينا أو شديدا فكم من راو ليس له من الحديث إلا القليل وهو ثقة أو صدوق ، وقد ذكرنا في الباب الحادي عشر عددا غير قليل ممن نص بعض الأئمة المعتمدين على توثيقهم مع أنهم لم يرووا من الحديث إلا القليل ، وحكم عليه ابن حجر نفسه في التقريب بأنه ثقة أو صدوق أو نحو ذلك ، ولم تمنعه قلة حديثه من الحكم عليه بذلك . وهذا الباب - أعني باب من حكم عليه في التقريب بأنه مقبول مع أنه نص بعض الأئمة المعتمدين على توثيقه مع عدم وجود جرح من غيرهم فيه - يعد من أهم الأبواب التي ينبغي أن ينظر في التهذيب من أجلها ، وينبغي عدم الاقتصار على التقريب أو الاكتفاء بما فيه من ألفاظ الجرح أو التعديل التي أطلقها ابن حجر على أصحاب هذه التراجم . على أنه يمكن أن يقال: إن إطلاق لفظ"مقبول"على أصحاب هذه التراجم يعد أمرا مستغربا فيبعد أن يصدر هذا من الحافظ ابن حجر ، وهذا بدوره يجعل احتمال التحريف من الناسخ أو الطابع لبعض الألفاظ التي أطلقت على بعض الرجال احتمالا قائما ، وربما كان الوهم من الحافظ نفسه . (إمعان النظر/12) .
ثم ذكر الشيخ عطاء في مقدمة الباب الحادي عشر أن الأخذ بقول ابن حجر في هؤلاء الرواة الذين قال فيهم:"مقبول"يتسبب في الحكم على أسانيد الأحاديث التي وردت من طريقهم بالضعف كما هو معلوم ، مع أن الصواب أنها تكون حسنة الإسناد أو صحيحة ؛ لأن قول ابن حجر فيهم يعد وهما ظاهرا .
ثم ذكر ثمانين راويا من أمثلة هذا الباب . (انظر إمعان النظر/80-134) .