فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 29

وإلى مثل هذا المعنى ينصرف قوله تعالى: {وقد خلقكم أطوارًا} ، قيل: (معناه: ضروبًا وأحوالًا مختلفة) و (أراد: اختلاف المناظر والأخلاق) و (الحالات المختلفة) (مرة ملك، ومرة هلك، ومرة بؤس، ومرة نعم) (11) . وهذا يكون في الشخص الواحد، تتقلب به الحياة، ولكن المعنى يصدق على اختلاف أطوار الناس، وتنوع أخلاقهم وصفاتهم وقابلياتهم، ومن خلال تعاكس أحوالهم يجنحون إلى تنافسات وعدوان، وتلك حركة حيوية، أو يلجأ كل صاحب نزعة إلى مثيله يعينه ويحالفه، وهذا نوع آخر من الحركة، ولأنهم درجات في القوة والثراء فإن عملية الاستقطاب تظهر، وبها تنحاز مجموعات العدوان الصغيرة إلى ناظم لها أكبر، أو مجموعات الدفاع والحلفاء تفتش عن ركن شديد تأوي إليه، وتكون ترجمة ذلك حصول معركة سياسية أو تنافسات مالية، وإزاحات اجتماعية، وتلك هي حقيقة حالة الغليان التي لم تترك قطرًا أو مجتمعًا يهدأ، والذكي الذي يكتشف هذه الاستقطابات وإمكانية حدوثها: يلجأ إلى تنظيمها ما استطاع، وإغراء الصغار بالإذعان للكبار، والضعفاء للأقوى، فتكون سيطرة أحد التوجهات أتم وأنفذ، فتكون الغلبة، وتبدأ عمليات محاولة تفكيك هذه السيطرة بعمل مماثل مقابل، وتصبح الأيام سجالًا حتى تستقر الأمور لتوجه آخر بعد حين قصير أو طويل، وتتكرر القصص، وتنشأ أجيال أخرى، وخلال ذلك تتدخل ألوف العوامل في هذه الترجيحات وعمليات الصعود والهبوط.

التفاوت... يأذن ببدء حركة حيوية

وثمة نوع آخر من تحريك الحياة لا يكون فيها العداء هو عامل التحريك، وإنما السباق الخيري نحو الأفضل والأكمل، وذلك يكون عند ارتفاع الهمم واتضاح معاني الخير ودرجاتها وتصاعدها وأنواعها، فيشرع أهل الخير في الازدياد منه، فيكون منهم سابق ومقارب بطيء، لكنهم جميعًا في وجهة واحدة، فإذا اضمحلت الهمم اقتنعوا بواقعهم ومالوا إلى السلبية وعدم التطور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت