وهذه الحقيقة هي التي تؤهل الدعوة الإسلامية للفوز في سباق السيطرة، لأنها الأمهر من بين فرقاء الساحة في"التربية"، وإصلاح النفوس والتحدث إلى القلوب، مع فكر واسع يسند ذلك، والآخرون يحومون حول استعمال القوة، ويخططون لمراوغات وخداع، وذلك ينفع وقتيًا ولا يدوم، ولكن التعامل مع"النفوس"هو المرشح للدوام، وانظر آخر تجربة في ذلك على المدى الاستراتيجي: غزو أمريكا للعراق: هو أعتى استعراض للقوة وأبرع مراوغة سياسية، ولكن التربية النفسية الجهادية التي بذلها العمل الدعوى الإسلامي العالمي قبل وأثناء ذلك جعل أرواح المؤمنين تحلق عاليًا مع مستويات العزة، فنهض المعتدى عليهم إلى جهاد، وناصرتهم جموع المسلمين، فارتبك الصف الأمريكي واختلف وأنكر على قيادته وضغط عليها يطلب الانسحاب، وكانت"القلوب الجهادية"هي التي حسمت القضية، ومعنى ذلك أن الصف الأمريكي امتلك القوة لكن نقصته التربية لجنوده ولم يستطع إقناعهم أنهم على حق ليصبروا ويصابروا، ومن هذه النقطة كان خطأ تقدير بعض المسلمين أن أمريكا دولة لا تقهر وأنها بقوتها ستستحق أي جهاد، فمالوا إلى ضرورة الاستسلام للأمر الواقع، وأن الجهاد خاسر، وبذلك كان مقياسهم ماديًا فقط، ولم ينظروا إلى أحوال القلوب والنفوس.
وما كان تكلم عنه ابن مسعود هو حال الشخص الواحد الذي يتردد بين لمتين، لمة شيطانية ولمة ملائكية، ومعنى ذلك احتمال غلبة إحدى الحالتين بشكل دائم من خلال عوامل تأثيرية أخرى، فينقسم المجتمع إلى صنفين: من أعانتهم الملائكة بغرس هداية الله في قلوبهم، ومن صرعهم الشيطان فانحرفت قلوبهم، وهذا هو حال مجتمعات البشر، جيلًا بعد جيل، ومن خلال التنافر والتناقض بين الصنفين تكون تحديات بعضهم لبعض، فتتحرك الحياة.