وبهذه الحركة الإنسانية المتواصلة، والمتواترة تباعًا: يستقر الكون ويرتقى العالم) (8) . وهذه ملاحظة صحيحة، ويشرحها قول ابن مقبل:
وما الدهر إلا تارتان: فمنهما***أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (9)
فجعل العمر كله كدحًا من أجل العيش، ثم إذا تعب وعجز انتظر الموت، فإذا ألغينا مرحلة الموت السلبية لم تبق إلا حياة واحدة هي حياة الكد والكدح والتعب والعمل.
السيطرة على الحياة: فرع السيطرة على النفس
ونحن المسلمون أهل إيمان نخالف به الملحد والفيلسون والمادي، ونفهم أن"بداية"كل مرحلة في الحياة تفترق إلى نوعين: رحمانية، وشيطانية، وتكون هذه البداية حاضرة ومسيطرة على الفعل حتى نهايته، إلا أن يتوب وتتبدل نية المفسد، وكل حديث الإيمان يفيد هذا المعنى، ولكن تقعيده جاء على لسان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: (لابن آدم لمتان: لمة من الملك، ولمة من الشيطان. وأما لمة الملك: فاتعاد بالبشر، وتكذيب بالحق، وتخبي بالنفس) . (10)
قال شمر: (اللمة: الهمة والخطرة تقع في القلب) .
فهي مع أول خطرة حين تكون أوائل النية يكون الافتراق، فتكون بركة من الله تتجلى في طيب النفس عبر تصديق حق الشرع وحلاله وحرامه، مع تخطيط يعد بخير وينفع، أو العكس.
وهناك في منزلة ما قبل النوايا من الخطرات وحديث النفس ونبضات القلب تكون ولادة حركات الحياة، ويكون الامتياز وتحصل المفاصلة في أول صورها ثم تتأكد بالفعل والتنفيذ والإصرار، ومن هنا فإن السيطرة الحيوية تبدأ بسيطرة على"النفس"و"القلب"، وهي الصنعة الإيمانية المحضة.