فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 29

والقيادي عندنا هو داعية له ولع أن يقايس أمره ويقارن نفسه بالآخرين، ويقتفي أثر السلف حين كان يقول أحدهم لصاحبه:

"هلم: أقاصك"

(يعني: أينا أبعد عن الشر؟) (32)

فذلك هو الفخر، والبعد عن الشر ونوايا السوء هو أرفع التحديات ودلالات البطولة، وهذه المسافة البعيدة هي دلالة خيرية مؤكدة وعلامة إيمانية حميدة، والحرام بين، والشبهة تدركها القلوب اليقظة مهما غطتها تفلسفات، وأوضح براهين كشفها: أن يلجأ المجاهدون إلى القول العتيق الأول القديم، والعرف الراسخ، وسيرة جيل التأسيس ورهط الرواد.

فإذا بقيت بقية لوثة: فإن من قوانين تحريك الحياة وعاداتها: أن بعض الظواهر السلبية السيئة التي يصعب تغييرها: يغيرها الله بالتقادم ومرور الزمن وانتظار بلوغها أقصى زخمها ثم ميلها إلى الفتور.

ومن ذلك ظاهرة الأنفة الجاهلية التي يسميها أهل اللغة"النعرة"بضم النون وليس فتحها كما هو شائع، وبفتح العين لا تسكينها.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه (إذا رأيت نعرة الناس ولا تستطيع أن تغيرها فدعها، حتى يكون الله يغيرها أي: كبرهم وجهلهم) (33) .

فعبارة"الله يغيرها"حكاية لحركة حيوية غير مرئية، تترك أثرها، وتلك جزئية من قوانين القدر في الحركة اليومية، وقد تتخذ النعرة المعاصرة في الجماعات شكل رأي خططي محسوم لا مجال لتعديله والحوار فيه، ولم تحسمه شورى ولا فتوى العدول ولا مناظرات الفقهاء ولا تأملات المجربين، ولكن حسمته عند صاحبه اختيارات أهل بلدته أوجهته أو قوميته أو صنفه، وعلى الصواب أن يتكيف حسب مرامه، وليس عليه أن يتكيف مع الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت