ومن الظواهر: ظاهرة الانحدار في الأخلاق والصفات، وتغير الزمان إلى ما هو أسوأ، وهي ظاهرة ملازمة للحياة الحديثة، ويشهد شاهد بعد آخر من المتأسفين، ليس في أمصار الحضارة فقط، حيث التوسع المدني يجلب معه ظاهرة الانحدار، بل حتى في المجتمع البدوي، كمثل مجتمع شنقيط وعموم موريتانيا، حيث لمس أمحمد بن المطلب قبل أكثر من قرن هذه الأسواء فقال يصف فقدان الثقات ويقول في أصحابه:
كرام صفت أخلاقهم وتمحضت***وليس الصريح المحض مثل الممزج
أولئك أخداني فأصبحت بعدهم***أساير خلفًا نهجهم غير منهج
يرون جميلًا ما أتوا من قبيحهم***فيا للإله للسفاه المروج (30)
ومن جيد ما قاله شاعر شنقيط عبد الله بن محمد العلوي في وصف اعوجاج الناس:
زمان توانى في المصالح أهله***وكلهم نحو المفاسد راكض
ولم يبق إلا مغمض متباصر***يخاف أذاه مبصر متغامض (31)
فنحن نجاهد في أرض ملغومة بغريب الطباع والأخلاق والمناورات والتطلعات الشخصية والطموحات الذاتية، قبل أن تكون ملغومة بالديناميت، ولذلك يلزم مجموعة المجاهدين فقه تويق، وتحليلات لنفوس المتصدين، وتصدير أصحاب الموازين الشرعية والترتيبات الإيمانية والأخلاصية، وتجاوز صرعى التعصبات الفئوية والجهوية والقبلية، ورواد الشللية وأتباع الزعماء الذين يوافقون على الخطأ الواضح ولا يقولون لزعيم: أخطأت، ونحن بحاجة إلى تقديم من يحافظ على الثوابت، والخطط الأولى، وأهداف التأسيس، ولا يلين إذا طالت المعركة ويتملص من التزامات البيعة، وباطل زعم كل ميداني يحتكر الفضل لنفسه لأنه في الخندق والمواجهة، ويحرم الذين في الخطوط الخلفية والخارجية من الفضل وحقوق المشاركة في صنع القرار، كمثل باطل رجال السياسة والمفاوضين الذين يبرمون الأمور دون تشاور مع مقاتل ورجل ميدان، والإقرار بتكامل الفئتين أصل في فهم حركة الحياة.