وتكاد أحاديث السياسة وخطط التناوب بين القتال والدبلوماسية وأخلاق الحلم تدخل"رائد التمكين"في شبه متاهة، لكثرة وجوه الاختلاف في فهم السياسة، واعتمادها على تخمين وفراسات وأذواق، وهذه حالة سلبية تكون معالجتها من خلال منهجيتنا الأساسية في استحضار القوانين الجزئية لحركة الحياة، ومعادلاتها، وظواهرها، وعندئذ يكون فقه الدعوة هو عامل الترجيح، وما في كل قاعدة من منطق.
فمن الظواهر الحيوية التي يمكن استحضارها في هذا المجال أنه:
ليس كل الدهر يومًا واحدًا*** ربما انحط الفتى، ثم ارتفع (27)
فهذا الارتفاع أو عكسه الانحطاط: حركتان من حركات الحياة المتزاحمة.
وقيل في نفس المعنى:
والناس في هذه الدنيا على رتب***هذا يحط، وذا يعلو فيرتفع (28)
وكما هو الحال في الأفراد: يكون في التجمعات والأحزاب والدول.
وهذه الظاهرة تبطل زعم من يقول أن فلانًا جاء ليبقى إلى الأبد.
أو أن الدولة الفلانية لا تقهر، ويبني خطته وفق هذا المفاد.
بل كل شيء متوقع.
ولأن مدار ذلك: النفوس، وهي قابلة للتأثر.
ومن قوانين الحياة: أن اليسر بعد العسر لا يكون فقط في صورة منافع شاخصة، بل مجرد إشغال المهموم الحزين هو حل ورحمة ربانية لئلا يستهلك نفسه.
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:
(لا يأتي على الناس زمان يضجون منه إلا أردفهم الله أمرًا يشغلهم عنه) (29) .
فهذا من الأقدار الربانية التي تحرك الحياة بعد وقوفها، والانشغال بالأمر الطارئ يذهب بتراكمات الآلام، ويكون علاجًا نفسيًا.
فالوطأة على الفلسطيني أصبحت ثقيلة، فجاء فوزه وإقحامه في الحكم إيناسًا، لينشغل بالحيثيات اليومية الكثيفة، وبقلنا وقالوا، وأرادوا، عن الأثقال.
وكذلك العراقي: محنته شديدة، فأتت اختلافات الدول العالمية والإقليمية في تقدير الحلول للقضية العراقية وكأنها ملهاة تسلية عن صرامة الواقع.