وشرح ذلك أن الله تعالى حين خلق الإنسان: أودع في فطرته النزعتين، وألهم نفسه الفجور والتقوى، فإذا أراد لزوم العلى على طول المدى إذا اهتدى: عانى، فمل، فغفل، فيعود إلى مداراة طعمه ولذائذه، فينافس ويعارك، فتتحرك الحياة، وذلك قانون فطري ميل لقانون القدر في إنزال آدم إلى الأرض لتكون في أرهاط ذريته أحوال متعاكسة تدفعهم إلى أن يكون بعضهم لبعض عدوًا لتتحرك الحياة، مما هو نص آية سورة البقرة، وموطن الاقتباس الدعوى من هذه الظاهرة الحيوية في الأمل والغفلة: أن خطة التربية الدعوية مكلفة أن تكون واعية، فتراعي الغرائز الإنسانية، وتدفع الدعاة إلى زوج، وتجارة، وبناء بيوت، وأكل أطايب، وحسن هندام، وجماليات، وكماليات، وتمنع استبداد العزائم والفقر وطرائق التقشف الدائم، بل هي وسطية دين الإحسان من دون رهبانية، وإنما هي أيام شدة تليق لها العزائم وسياسة الاستنفار م أيام رخاء يؤذن فيها بالاسترخاء.
وهذا جزء من"إحياء فقه الدعوة"بعدٌ استراتيجي في التخطيط الإسلامي لا تسوغ الغفلة عنه، فإن النفس المعتدلة المتوازنة هي مظنة تحقيق التفوق في المنافسة الحيوية.
نضوج ظروف التحول الحضاري الإسلامي الجديد
وجميع حديث التضاد هذا، والتناقض، والتعاون، والعداوات المحركة يجعلنا في الآخر نقف وجهًا لوجه مع نظرية ولادة الحضارات عبر"أعمال القيادة المبدعة التي تتحدى البيئة"وهي نظرية كبير فلاسفة التاريخ"توينبي Toynbee"1889-1975.
وهو (مؤرخ وفيلسوف بريطاني، وضع نظرية"التحدي والاستجابة"Challenge-Response في كتابه"دراسة للتاريخ"الذي يقع في اثني عشر مجلدًا 1934-1961.
وخلاصتها أن الحضارة لا تنشأ إلا حيث تكون البيئة صالحة لتحدي شعب ما، وإلا عندما يكون هذا الشعب على أتم الاستعداد للاستجابة لذلك التحدي، وأن الحضارات تنهار عندما تتلاشى عبقرية"الأقلية المبدعة" (20) .