فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 29

وسأل عطاء الحسن البصري: (أكان الأنبياء يشرحون إلى الدنيا مع علمهم بربهم؟) أي هل شرح الله صدورهم لقبول الدنيا كما شرح صدورهم لقبول الدين؟.

فقال الحسن: (نعم، إن لله شرائك في خلقه!) .

(أراد: كانوا ينبسطون إليها ويشرحون صدورهم ويرغبون في اقتنائها رغبة واسعة) (18) .

وهذا التقرير يسقط معنى الزهد ويرجع عليه كما يسقط معنى هجر السياسة، ويعني أن من تقوى المؤمن أن لا يدع الدنيا لفاجر، بل حوزها بدله ليصوغ حركتها صياغة سياسية وتعاملية وحقوقية وفق الشرع وحكم الحلال بعد إذ خلقها الله وبراها وعرضها لتتم الحكمة التي وراء خلقها من خلال أسلمتها، بدل أن يتلقاها الكافر أو الجاحد أو البخيل فيعطل انتفاع المؤمنين منها ويحكرها لخدمة الفساد، وعلى هذا التمييز، أو على هذا الرجاء في أن يسبق المسلم إلى التسلط ليدير الحياة في مجال الإيمان: تقوم نظرية السيطرة الإسلامية على حركة الحياة، وتبطل نظرية التصوف في تعطيل منح الخلق التي رصدها الله لوعاة يستعملونها، كما يبطل وهم من يظن صواب انعزال المسلم عن عالم السياسة تعففًا وترفعًا.

وشرح آخر لقول الحسن: (إن شرائك في خلقه) : أنه (أراد أمورًا أبقاها في العباد، من الأمل والغفلة: حتى ينبسطوا بها إلى الدنيا) (19) .

وهذا الجواب يكشف عن ملحظ آخر في طلب الدنيا، عامل التحريك فيه ليس هو طلب التمدن والعمران فقط، بل مداراة القلوب والنفوس والرفق بها، فإن وتيرة الجد إذا كثفت في حياة المؤمنين فإنها تؤدي إلى الإيجاب وإلى أداء إنتاجي جيد، ولكن لأمد قصير يكون بعده التوقف أو الانحدار وهبوط المستوى، لما في ثنايا حالة الجد من التكلف والمغالبة وافتعال الاستنفار الطويل واليقظة، فتميل الأرواح إلى طلب الراحة، فيكون إبطاء في حركة الحياة بعد إذ نوينا بالجد تسريعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت