فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 29

وهذه تحليلات في معرفة"جذور السوء ومساربه"هي بسيطة ساذجة، لكنها مهمة في توعية من يواجه زخم ازدحام المحركات الحيوية، وفيها احتياط ودعوة لسلوك تخطيطي يوصي بالحذر، وبمثلها نفهم قول معاوية رضي الله عنه (من أبطره الغنى: أذلّه الفقر، وهما ضدان مخادعان للمرء من عقله، وأولى الناس بمعرفة الدواء من يبين له الداء) (17) .

وهذا رصد صحيح لظواهر الحياة، فما ذهل غنيّ عن الشكر فأسرف على نفسه ومنع الحق إلا ولطمه الفقر لطمات متتابعات يتركنه مترنحًا، ثم يشتق سياق الكلام قاعدة تربوية ثمينة: أن الذي يحلل ويعرف جذور السوء ومساربه التي نفذ منها وحل في وسط دار الخيريين هو بالطب والعلاج أعرف، وبالمداواة أليق.

إن الضدية بين الغنى والفقر في قول معاوية تتناسق مع مبحثنا، فإنها ليست دلالة وصفية منه، لأن كل أحد يعلم ذلك، ولكنها ملاحظة تحليلية يريد منها ما نريد من رؤية تأدية هذه الضدية إلى التحريك التنافسي، وأن المال والغنى أداة في صراع الحياة ينبغي استخدامها على نحو إيجابي للبناء والإنتاج والتمدن، فمن انحراف بهما إلى بطر سلبي: نوفس بضراوة حتى يصير فقيرًا وذليلًا من بعد عز، وهذا كلام أشبه بالموعظة المجازية، لكنه مفاد واقعي تشهد له قصص كثيرة، ويرجع إلى الإيمان آخرًا، لأن فحواه تتضمن دلالة على نموذج من صور"جريان القدر الرباني"في تحريك الحياة، وأن الخفض والرفع للفرد من الناس هو إرادة ربانية تقترن برقابة الله للحياة، وإذا صدق ذلك على أفراد: صدق على مجموعات وربما شعوب تتبطر وتتجه بالمال وجهة فوضوية أو هدمية أو لهوية وتمنع نصرة المستضعفين به، مثلًا.

البناء المدني... صنعة إيمانية

فالحياة قائمة، وهي مخلوقة متاحة لأبرار وفجار، وإذا اقتناها فاسد أفسدها، وإذا حازها مؤمن أصلحها.

ومن هنا وجب على المسلم أن يقاربها ويطلبها: أموالها، وسلطتها، وعلومها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت