وتردد الفرق بين الحالين: سبب لتحريك الحياة، إما بعزم السغاب ودأبهم الحلال في تحسين أحوالهم، وإما بحسد يعتريهم يدعوهم إلى عدوان، أو سرقة وسلوك إجرامي، وأكر ما يكون الأمر أن يكون ذاك"الآبي"الرافض من هؤلاء الأولاد هو الذي يغامر بعدوان، إذ هناك في لحظات إبائه وجوعه تنشأ بذرة التحريك السيء وتتسلط عليه وتحدوه نحو إشباع رغباته عبر طريق غير سوي، ومن أقرب هذه الطرق إليه: أن يلحق نفسه بقوي غني من أهل"الخز الذائل"، من متنفذ وسلطان، فيستعمله في تمرير ظلمه، وتزداد الآثار السيئة لهذه الاحتمالات إذا تعلم هذا الفتى أطرافًا من علم الشرع، إذ يصبح من علماء السلطان، أو إذا أتيح له سفر ودراسة في بلاد الغرب: يلحق نفسه بدول الاستعمار فيغدو خائنًا، فإذا تمكن من الحصول على عضوية جماعة إسلامية فلربما حرف سياستها وأهل الإخلاص لا يدرون ما هنالك، ولذلك رفض الإمام الشوكاني في كتابه"أدب الطلب"بذل علم الشرع لأبناء أصحاب المهن، وقصره على أبناء الإشراف، فلم يلتفت محقق كتابه إلى المغزى الصحيح وأنكر عليه، إذ هو لا يريد التكبر، بل النقاء.
ومعنى ذلك: أن هذا النوع الثالث من التنافس في الرزق قد ينتهي إلى سلوك عدواني أيضًا.
ولأن القصص المروية في ذلك، مما يعرفها أهل كل جيل ومدينة: وافرة متداولة: أصبحت"التوترات"سائدة بين الناس، والرد بالمثل، وعدم التسامح، والتهديد، وضمرت إملاءات الأخلاق. فإعابة الناس مثلًا، وتجريحهم، وذكر مثالبهم: تجلب بالمقابل تجريحًا، والتقاذف سجال، وهو ما هدد به الشاعر وحذر فقال (16) :
لا تمضحن عرضي، فإني ماضح
عرضك، إن شاتمتني، وقادح
في ساق من شاتمني، وجارح
وهذه ظاهرة من ظواهر الحياة ينبغي أن يستوعبها من يخطط لمهاجاة وهجوم: أنه يخاطر ويهيج ساكنًا.