فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 29

وليس هذا محل شرح هذا التعريف الغامض على بعض، لأنه يكفينا منه فهمنا المجمل له، من وجود اختلاف في إثبات صفة للأول ونفيها عن الثاني، وهو ما يعنيه السلب والإيجاب، يوحي بتدافع، ومحاولة إزاحة، وتحزب البعض لأحد النقيضين مع تحزب غيرهم للنقيض الآخر، ومعنى ذلك حصول حركة حيوية أساسها رغبة الانتصار لرأي، وتديما اختلافات العقول وجنوح بعضها لجهة وأخرى لنقيضها، فتتولد الحركات، وتلك هي ظاهرة الانقسام في المجتمع البشري، والمناحرة والخصام.

إن الأمور إنما تتميز إذا وضحت أضدادها، ومحاسن المعروف وإنما تستبين لو انكشف الخمار عن وجه المنكر وظهر قبحه، لأن من تنتكس فطرته أولًا: يلزم الإصرار ثانيًا، والشاعر ينتبه إلى هذا الديدن فيقول:

إذا نهي السفيه: جرى إليه*** وخالف، والسفيه إلى خلاف

أي: جرى إلى الأمر الدون الذي نهوه عنه، وحرص على المخالفة.

قال أبو الفتح بن جني: (فاستنبط من السفيه معنى السفه) (14) ، بمعنى أنه راقب أفعال السفهاء، وأحوالهم، وقلة حيائهم، فعرف أوصاف السفاهة كسلوك ومنظومة ترديات تحكم أرهاطًا من البشر، وكانت معرفته من خلال متابعة سير السفهاء.

والإيمان كذلك، ثلاثة أرباعه فطرة وانسياب معها، وسير المؤمنين أوفى في التعبير عنه من نصوص مجردة، ولذلك كانت القصص والتراجم وتواريخ المصلحين، ولمثل هذا المعنى أشار جواب الذي سألوه عن وصف المروءة فقال: تؤخذ معاملة ولا تؤخذ نطقًا، ومجموعة الدعاة مكلفة أن ترسم بأعمالها صورة الإيمان، في كل جيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت