إنّ الهجر الجميل نوع من أنواع العزّلة التي يأمن فيها المرء من شرور المجتمع ، وقد تكون العزّلة علاجا وإقناعا، علاجا من أذى الخلق ، وامتناعا لهم بسفاهة، أي المؤذي وسوء فعله، وهؤلاء أمامنا أهل الكهف اعتزلوا المجتمع وآووا إلى الكهف فأعقبهم الله القدير بنشر الدعوة والنصر، وهيأ لهم من أمرهم رشد . وقد يلتزم فيها الصافح بطي ثوب النسيان عما مر، ويلتزم فيها المصفوح عنه بالتوبة والاعتدال والامتثال لأمر الله ، مثال ذلك موقف النبي الهادي الأمين من أهل مكة حين فتحها سنة ثمانية هجرية، ووقف من حوله أهل مكة، ووقفت قريش كلها تنتظر ماذا سيكون الأمر ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ويدلّ الصفح الجميل على نقاء القلب ، وصفاء السريرة وشدة الإيمان وقوته، كما يدلّ على كريم الخلق، وعظيم الفضل وعلو النفس وقوة الشخصية. وكرر النبي يعقوب- عليه السلام - لأبنائه إعلانه بأنّهم تعدوا بما سولت لهم أنفسهم وأنه لا يملك إزاء هذا سوى الصبر مستعينًا بالله الواحد داعيا إياه أن يأتيه بأحبابه الغائبين لا كشفًا لأمر أبنائه ولكن ترضية لنفس أبيهم فلنستمع لقوله عزّ وجلّ في سورة يوسف /18:"قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا".
وجاء في تشريع رباني موجة إلى المجتمع المؤمن ليقرر حق المطلقة التي لم يدخل بها ووجوب تسرحها تسريحا جميلا أي تطليقها، يقول تعالى في سورة الأحزاب /: 49"يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقوهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا". فلنمتثل لقول الله تعالى ولنصبر صبرًا جميلًا ونهجر هجرًا جميلًا ونتعود الصفح الجميل وأن نشيد بالجَمَال، فإنّ الله جميل يحب الجمال.
الفقراء