ولا بد - في طلب العلم - من همة عالية ، كما قال يحيى بن أَبِي كَثِيرٍ فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. لأن نفس الطالب فتية، فهي تُتْعِبُ البدن ، فهذه الروح محتاجة لعدة أبدان ، لأن بدنا واحدا لا يكفي همتها: فما يكاد يضع جنبه على الفراش إلا وتؤنبه: كيف تحصل العلم ؟ كيف تنام وكيف تقوم ؟ وهو متعب، فيبحث في كتب العلم، فتكون دائما مجهدة. فهذه الحقيقة من الأشياء التي قد تفيد بعض إخواننا من طلاب العلم ، لا سيما الذين يبدؤون بـ"نيل الأوطار"ويبدؤون بـ"سبل السلام"، وأنكر من ذلك وأشد أن يبدأ بـ"المحلى"لابن حزم ، لو بدأ به فهذه قاصمة الظهر، فالرجل يسوء أدبه للغاية القصوى مع العلماء، لَمَّا يرى ابن حزم يقع في فلان وفي علان، لما تقرأ في كتاب المحلى تجدُ ألفاظا جارحة جدا، فلما يفتح أحدهم عينيه في كتاب المحلى يجني على نفسه كثيرا ، فلذلك ينصح بعدم قراءة كتاب المحلى ونيل الأوطار وسبل السلام في مبدأ دراسة طالب العلم، فإنما يبدأ بـ"منار السبيل"، ويبدأ بـ"الروضة الندية"، بل بأقل من ذلك إذا استطاع أن يجد كتابا موثوقا به فليبدأ به فهذا أجود، والكلام في هذا الباب طويل.
س 2: بماذا تنصح الشباب الذين كثروا في هذه الأيام ، وقاموا بالتخريج والتحقيق دون تريث وصبر وخبرة لازمة في هذا الأمر ، وما هي الخطوات حتى يكون الإنسان ضليعا في الجرح والتعديل وتحقيق الأحاديث وتخريجها ؟
ج 2: والله الكلام ذو شجون .. أذكر كلمة قالها بعض الأدباء ، قال:"لو أدركت أبا حمزة الكاتب لقطعت يده". جناية أبي حمزة هذا أنه انتقى أطايب ما في الكتب وجمعها في كتاب، فأغنى الناس عن قراءة الكتب، فقال: أنا والله لو أدركته لقطعت يده. لماذا ؟ لأنه أحدث فسادا عظيما: أنهم اسْتَغْنَوْا بهذا الكتاب عن كل هذه الكتب.