الصفحة 6 من 48

الدارقطني وأبو علي الغساني والجويني وجماعة من العلماء المتقدمين، أنت رجل تدعي الاجتهاد، ناقشني الآن في إثبات صحة الحديث، أثبت لي أنه صحيح. وطبعا الآخر لا علم له في هذه المسألة فيقف حمار الشيخ، لا يستطيع أن يتقدم خطوة، كلما يأتي بدليل يهدمه له، حتى ولو كان كاذبا، والآخر ما عنده فكرة لإثبات الحديث ، ولذلك لا يستطيع أن يقيم الحجة بدلالة الحديث إلا بعد أن يثبت صحة الحديث . لذلك كان العلماء المتبحرون في الفقه على دراية كاملة بالحديث، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ، فهو إنما ساد وفعل ما لم تفعله الجيوش الجرارة - سواء في المبتدعة أو في المخالفين - بسبب إحاطته بالعلوم ، حتى قال الذهبي، وهو إمام محدث كبير وحَكَمٌ على أهل الحديث:"كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث"، وهذا مبالغة من الإمام الذهبي في حق شيخ الإسلام ابن تيمية ، مما يدل على أن الرجل متبحر . وكان ــ حنبليا ، إلا أن الشافعية - مثلا - كانوا يجالسونه ليستفيدوا في فقه الشافعية ما لا يعرفونه، بل حتى في العربية، مثلا: أبو حيان ، النّحْويُّ، صاحِبُ"البحر المحيط" [1] ، لما دخل ــ ومدحه وقال فيه شعرا، فلما تكلم هو وابن تيمية في مسائل في النحو، احتج أبو حيان بقول سيبويه، فقال ابن تيمية له: ما كان سيبويه نبيَّ النحو، ولقد أخطأ في ثمانين موضعا في"الكتاب" [2] أنت لا تعرفها. رغم أن تخصص أبي حيان في النحو. فلما يكون الإمام متبحرا مثل هذا التبحر يستطيع أن يقيم الحق، ولا يستطيع مبتدع، أو من حصّل علما من العلوم لم يحصله هو، أن يهدم له دلالة الحديث، أو نحو ذلك، لذلك تجد أسعد الناس بتحصيل العلم، الذي يمشي بالتدرج.

(1) هو تفسير كبير للقرآن الكريم.

(2) كتاب سيبويه المعروف في النحو، يسمى"الكتاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت