وعلى الرغم من عدم استجابة المشركين للنبي عليه السلام، وعلى الرغم من المشقَّة التي لحقت بالنبي الكريم، حتى أنه توجه إلى الله بقوله: {يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاء قَوْمٌ لا يُؤْمِنُون} [1] . فإن الله يدعو نبيه إلى أنْ لا يملَّ أو يتعب وأن لا يحيد عن الالتزام بأدب الخطاب مهما كان من الطرف الآخر. قال تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [2] . فالله يدعو نبيه إلى الرفق بهم، ومقابلة جهلهم بالحلم، وسفاهتهم بالمغفرة والصفح. وأنهم كلما قالوا فحشًا وهجرًا، قال لهم سلامًا ومغفرة، كما يقول سبحانه في وصف عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [3] . وكما يقول جلّ شأنه لنبيه الكريم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [4] ، [5] .
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما أثمره القول اللين من نجاح دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتأثيرها في الناس. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [6] . فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فظًَّا؛ أي سيئ الخُلُق خشن الكلام، ولم يكن غليظ القلب؛ أي قاسيه وشديده [7] . بل كان صلى الله عليه وسلم رفيقًا داعيًا إلى الرفق، فقال: »مَنْ يُحرم الرِّفقَ يُحرم الخير« [8] .
(1) سورة الزخرف: الآية 88.
(2) سورة الزخرف: الآية 89.
(3) سورة الفرقان: الآية 63.
(4) سورة الأعراف: الآية 199.
(5) انظر: الخطيب، عبد الكريم: التفسير القرآني للقرآن، (د.م: دار الفكر العربي، د.ط، د.ت) ، ج7، ص176.
(6) سورة آل عمران: الآية 159.
(7) انظر: القاسمي، محمد جمال الدين: محاسن التأويل، تحقيق: محمد باسل عيون السود، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ/1997م) ، ج2، ص447.
(8) مسلم: الجامع الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب رقم 23، حديث رقم 2592، ج4، ص2003.