الأنبياء والرسل هم أكملُ الناس أدبًا في الخطاب، وقد وصف الله تعالى نبيه بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} [1] . ويبيّن لنا القرآن الكريم أنّ أدب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلامه، كان سببًا في تجميع القلوب وتوحيد الصفوف. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [2] .
"والفظّ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك: {غَلِيظَ الْقَلْب} ؛ أي لو كنتَ سيئَ الكلام قاسيَ القلب عليهم، لا نفضوا عنك وتركوك، ولكنّ الله جمعهم عليك وألانَ جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم" [3] .
فالآية الكريمة تشير إلى الرحمة التي ألقاها الله في قلب رسوله، وتُثني على أخلاقه السامية وقيادته الحكيمة، فعلى الرغم من عدم اتفاق أصحابه معه في بعض المواقف، إلا أنه وَسِعَهم بخُلُقه الكريم، وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالقسوة والشدّة بل باللين والرحمة، ولذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحّدت تحت قيادته.
فليس من العسير إيراد المعارف ولا بذل النصيحة، ولكن العسير تخيّر أسلوب العرض لضمان النتائج، فكم من نفوسٍ أعرضت عن كلمة الحق، ولم يكن إعراضها ناشئًا عن طعنٍ في صحتها أو شكٍ في وضوحها؛ بل إنّ السبب الذي أدّى إلى نفورها، هو الأسلوب الذي غلب عليه الجمود والفظاظة، ونأى عن الرفق واللين، فنفرت منه القلوب، وأعرضت عنه.
(1) سورة القلم: الآية 4.
(2) سورة آل عمران: الآية 159.
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1، ص421.