الصفحة 3 من 34

وكائن ترى من صامتٍ لك مُعْجِبِ ... زيادتُهُ أَوْ نقصُهُ في التكَلُّمِ

لسانُ الفتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فؤادُهُ ... فَلَمْ يبقَ إلا صورةُ اللحم والدَّمِ [1]

لذا فإن الكلمات التي ينطق بها العبد تسطّر وتكتب عليه، ويراها في صحائفه يوم القيامة. قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [2] . فالقرآن الكريم يُقرّر مبدأ محاسبة الإنسان على كلّ قولٍ ينطق به.

يقول الجاحظ:"لا شيء أعجب مِنْ أنّ المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأنّ صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خُوِّل منها. أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة، وصرفها عن أضدادها" [3] .

ويبين لنا القرآن الكريم في موضع آخر، أنّ الكلام الطيب يقع أجره وثوابه على الله، فكما أنّ الإنسان يُعاقَب عل سوء كلامه، فإنه يُثاب على أدبه فيه.قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [4] .

ولا شكّ أنّ استشعار هذا المعنى في النفس له أثر في تقويم السلوك، مما ينعكس على الطريقة التي نُخاطب بها الآخرين، وبالتالي على علاقتنا معهم، الأمر الذي يُسهم في بناء علاقاتٍ إنسانية على أسسٍ من التفاهم والتضامن.

ثانيًا: التوجيه القرآني نحو أدب الخطاب

(1) ابن أبي سلمى، زهير: ديوان زهير بن أبي سلمى، (بيروت: دار صادر) ، ص ص (88- 89) .

(2) سورة ق: الآية 18 .

(3) الجاحظ: رسائل الجاحظ، ج1، ص160.

(4) سورة فاطر: الآية 10 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت