وهكذا فقد كان الخط الذي رسمه الله لأسلوب موسى في الدعوة، هو استخدام الكلمة في إطار المحبة، بالأسلوب الهادئ والقول اللين، بغرض أنْ يفتح ذلك قلب فرعون على دعوة الحق، فتذكِّره بالله من خلال نعمه وآياته، وتخوِّفه من عذابه. وبغض النظر عن نجاح هذا الأسلوب مع فرعون أو فشله، إلا أنه يبقى النهج الأمثل في الدعوة والاتصال بالآخرين .
وقد التزم موسى عله السلام بهذا التوجيه الرباني، ويحدثنا القرآن الكريم عن خطاب موسى لفرعون، فيقول: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [1] .
وأوَّل ما يلفت نظرنا في هذا الخطاب أنَّ موسى عليه السلام نادى فرعون بأحبِّ الأسماء إليه، فقال: يا فرعون. وهو الاسم الذي يُشعر فرعون بالقوة والعظمة وعدم الانتقاص من مكانته، وفي ذلك مدارة له، ومراعاة لنفسيته. ونرى هذا الأسلوب بعينه ماثلًا في منهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يخاطب الزعماء بمثل قوله: »إلى هرقل عظيم الروم« [2] . وليس في ذلك تنازل عن المبادئ، ولكنه الأدب في الخطاب، والذوق في التعامل مع الآخرين.
وبعد هذا النداء يشرع موسى في بيان المهمة التي جاء من أجلها، وهي أنه رسولٌ من رب العالمين. ويُلحظ هنا أنَّ موسى عله السلام يستخدم لفظ"الرب"الدال على معنى الرحمة والتربية، دون لفظ"الله"الدال على القوة والعظمة والمهابة.
ولنأخذ على سبيل المثال مقطعًا من الحوار الذي دار بين موسى وفرعون:
(1) سورة الأعراف: الآيتان (104، 105) .
(2) البخاري: الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب رقم 6، حديث رقم 7، ج1، ص 9 .