الصفحة 14 من 34

يُمثِّل أدب الخطاب الأساس المتين الذي قامت عليه دعوة موسى عليه السلام، فقد كان التوجيه الإلهي لموسى عليه السلام منذ اللحظة الأولى بضرورة مراعاة الأدب في خطاب فرعون، ومواجهته بالقول اللين البعيد عن العنف والعصبية، لعل ذلك يكون سبيلًا لتليين موقفه وجذبه نحو الصف المؤمن. وهذا ما يُسجِّله القرآن الكريم في قوله تعالى: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [1] . وفي سورة أخرى يُوجِّه القرآن الكريم موسى عليه السلام إلى الطريقة ذاتها في خطاب فرعون. قال تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [2] .

قوله: {هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} أسلوبٌ من أساليب اللطف والأدب في الدعوة، يوجه اللهُ إليه نبيَّه موسى كَي يسلكه في مخاطبة فرعون.

قال الآلوسي:"وفي الاستفهام ما لا يخفى من التلطّف في الدعوة والاستنزال عن العتوّ، وهذا ضَربُ تفصيلٍ لقوله تعالى: «فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى» " [3] .

وفي الاستفهام -كما يقول النسفي- معنى العَرْض، الذي هو طلب الفعل من المخاطب برفق ولين. وهو كقول الرجل لضيفه: هل لك إلى أنْ تنزل بنا [4] .

(1) سورة طه: الآيات (42- 47) .

(2) سورة النازعات: الآيات (16- 19) .

(3) الألوسي، أبو الفضل محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت) ، ج30، ص29.

(4) انظر: النسفي، عبد الله بن أحمد: مدارك التنزيل، (دون معلومات نشر) ، ج4، ص 314.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت