فموسى عليه السلام بعد هذا العناء الطويل بسبب رحلة الخروج من مصر، وبعد ما قام به من السَقي للفتاتين، يَأْوي إلى ظلِّ شجرةٍ ثم يتوجَّه إلى الله تعالى بقوله: «ربِّ إني لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير» . وهذا الكلام من موسى عليه السلام، كما يقول الرازي:"يدل على الحاجة، إمَّا إلى الطعام أو إلى غيره" [1] . إلا أنَّ معظم المفسرين حملوا هذه الحاجة على أنها حاجة إلى الطعام، استنادًا لما روي عن ابن عباس، أنَّ موسى عليه السلام ما سأل إلا الطعام. وعن الضحاك: أنه مكث سبعة أيام لم يذقْ فيها طعامًا إلا بقل الأرض [2] .
وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ موسى عليه السلام، لم يخاطب ربَّه قائلًا: أطعمني. بل إنه"تعرَّض لسؤال ما يَطْعَمَهُ، بقوله: «إني لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير» ،ولم يُصَرِّح بالسؤال" [3] . وهذا من أدب موسى عليه السلام مع ربه.
أما فيما يتعلق بالأسلوب الأدبي الذي سلكه موسى عليه السلام في خطابه مع الناس، فسنعرض هنا لثلاثة مواقف تمثل ثلاثة اتجاهات مختلفة:
أولًا: أدب موسى -عليه السلام- في خطاب فرعون
(1) الرازي: مفاتيح الغيب، ج12، ص268.
(2) انظر: الرازي: مفاتيح الغيب، ج12، ص268. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج13، ص270. الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، د.ط، د.ت) ، ج3، ص174.
(3) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.