الصفحة 12 من 34

فقد كان صلى الله عليه وسلم يُدرك أن الكلمة اللينة العذبة، تسري في أعماق النفوس، كما تسري جرعة الماء البارد في أوصال الجسد الظامئ، وأنها تتلطف بالنفوس حتى تأسرها أسرًا رفيقًا، فتأخذ بزمامها، وتجذبها إليها، وهي راضية مطمئنة.

ولكن مما تجدر الإشارة إليه هنا، أنه قد يضطر الإنسان في بعض الأحيان إلى التعامل بشدَّة، واتخاذ القرار الأكثر حزمًا من أجل مصلحةٍ يقدّرها، ولا يكون ذلك متنافيًا مع الأدب والرحمة. يقول الشاعر:

فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازمًا ... فليقسُ أحيانًا على مَنْ يرحَمِ [1]

وفي ذلك يقول الرازي:"اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يُفضِ إلى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك، لم يجزْ. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [2] ، وقال سبحانه للمؤمنين في إقامة حدّ الزنا: {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [3] " [4] .

المبحث الثاني

مقتطفات من أدب الخطاب عند موسى عليه السلام

مثّل موسى -عليه السلام- نموذجًا رائعًا في أدب الخطاب، وهو قبل أن يضرب لنا هذا المثل في خطابه مع الناس، فقد ضربه في خطابه مع الله تعالى. قال تعالى عن موسى عليه السلام: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [5] .

(1) النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب: نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق: الباز العريني، (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1412هـ/1992م) ، ج، ص1714.

(2) سورة التوبة: الآية 73.

(3) سورة النور: الآية 2.

(4) الرازي، فخر الدين محمد بن محمد: مفاتيح الغيب، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ط، د.ت) ، ج4، ص529.

(5) سورة القصص: الآية 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت