قلت: ما رواه عن علي - رضي الله عنه - أظهر في القول بأنَّه لم ير الطَّلاق واقعًا لأجل الإكراه، وذلك من وجهين:
الوجه الأوَّل: قول الرَّاوي:"فقال علي: اضطهدتموه حتَّى جعلها طالقًا، فردها عليه"، ذِكْر الردّ مقترنًا بالفاء مشعر بالتَّرتيب والتَّعقيب، فيكون الحكم بردّ الزَّوجة مترتبًا على قول علي - رضي الله عنه -:"اضطهدتموه حتَّى جعلها طالقًا". والاضطهاد هنا: الإكراه.
والوجه الثَّاني: لو كان ردّ الزَّوجة بناءً على أنَّ الحلف بالطَّلاق لا يقع به طلاق لم يكن مناسبًا ذكر الاضطهاد الذي لا تأثير له في الحكم، وإغفال ذكر ما توهّمه المدعون حقًّا ـ وهو وقوع الطَّلاق بالحلف ـ إذ المدعون لم يخاصموا الزَّوج بشأن أنَّه أتى منكرًا هو الحلف بالطَّلاق، وإنَّما خاصموه يريدون تخليص ابنتهم منه بالطَّلاق الذي ظنّوا وقوعه بالتَّعليق، لذا انتظروا حتَّى وقع الحنث ثُمَّ خاصموه.
قال أبو محمد ـ رحمه الله تعالى ـ:"وكذلك لا متعلّق لهم بما في خبر شريح من قول أحد مَنْ رواه فلم يره حدثًا، فإنَّما هو ظنّ من محمد بن سيرين أو من هشام وهو ظن خطأ" [1] .
قلت: وليس لأبي محمد بن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ كذلك التَّمسُّك بهذا الخبر؛ لأنَّ غاية ما فيه أنَّ شريح توقَّف في القضاء في المسألة بالطَّلاق، إذ لم يقل لهم: هذا لا يُعَدُّ طلاقًا، وحينئذ يحتمل الأمر ما قاله الرَّاوي، ويحتمل أمرًا آخر، فالجزم بأنَّه لم يرَ الحلف بالطَّلاق طلاقًا قول بالمتشابه والظَّنّ الذي يرفضه
أبو مُحَمَّد ـ رحمه الله تعالى ـ.
أدلة القول الثَّالث ومناقشتها:
أوَّلًا: الاستدلال بالمنقول من الكتاب والسُّنَّة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في الاستدلال لقوله بعد أنْ بيَّن أنَّ في الحلف بالطَّلاق ثلاثة أقوال هي:
القول الأوَّل: يلزمه الطَّلاق إذا حنث.
(1) المحلى: لابن حزم، مسألة رقم 1969، 10/211.