وكان للناطقين بالسريانية الفضل في يقظة العرب العامة ونهضتهم الفكرية في بغداد زمن العباسيين ، مالم يكن مثله لأمة واحدة سواهم ، تلك النهضة التى غدت ولا تزال مفخرة العصر العباسي القديم ، فقد كان العالم العربي الإسلامي ما بين 133 - 236 هـ / 750 - 850 م مسرحًا لحركة من أبرز الحركات وأخطرها في تاريخ الفكر ، ولقد تميزت هذه الحركة بالنقل إلى العربية عن الفارسية واليونانية والسريانية ، إذ أن العربي لم يحمل معه من الصحراء فنًا ولا علمًا ولا فلسفة ، وإنما رافقته رغبة ملحة في الإطلاع وفهم شديد للعلم وشئ كثير من المواهب الفكرية الكافية ، ولقد سنح للعربي في الهلال الخصيب أن يصبح الوريث الفكري لعلوم اليونان ومعالم حضارتهم ، فما أن مضى على تأسيس مدينة بغداد 145 هـ - 762م عقود قليلة حتى وجد الجمهور الناطق بالعربية في متناوله أهم مؤلفات أرسطو وشروح أفلوطين وأعظم مؤلفان أبقراط وجالينوس الطبية وأبرز كتب أقليدس الرياضية وأروع آثار بطليموس الجغرافية [1] [56] ) .
وكان السريان هم القنطرة التى عبرت عليها هذه العلوم لتصل إلى العرب ، ولقد جري هذا التزاوج في البيئات التى تعبق بالروح الهلينية بدافع من مساواة الإسلام بين معتنقية، إذ لم يكن ثمة تعصب أو انحياز ، وإنما كانت المساواة هى الأساس الذي بني عليه الإسلام معاملته لأهل الأديان السماوية الأخرى ، وقد كان لذلك أثره في استثاره هممهم وتحريك رغبتهم في المشاركة في النشاطات المختلفة التى تدور حولهم [2] [57] ) .
(1) - حركة الترجمة والنقل في العصر العباسي ، موسي يونان مراد ، بيروت 1973م ، ص 23 .
(2) - السريان قديمًا وحديثًا ، سمير عبده ، ص 67 .