الصفحة 9 من 18

فلا تعجبنّ بما قد ترى ... فلا خير في كلِّ ما تبصرُ

وهوّن عليك كثير الحياة ... فسكناك في قبركَ الأكثرُ (28)

وبقدر ما كان السُّمَيْسِر يفرح بانقضاض عرش الملوك كان يحزن على ما يصيب مدن الأندلس من جراء فتنهم وتناحرهم ، فها هو يقف على مدينة الزهراء بضواحي قرطبة بعد خرابها باكيًا مستعبرًا يندب أشتاتها في نغمة شجية مشجية .

وقفت بالزهراء مستعبرًا ... معتبرًا أندب أشتاتا

فقلت: يازهر ألا فارجعي ... قالت وهل يرجع من ماتا ؟

فلم أزل أبكي وأبكي بها ... هيهات يغني الدمع هيهاتا

كأنما آثار من قد مضى ... نوادب يندبن أشتاتا (29) .

وأرى أن هذه الأبيات التي تحمل معاني الندب والتفجّع على المدينة الدارسة ، تبدو كالبركان الذي يخفي في داخله الحمم الثائرة ، فهو يؤكد أن هذه الأشتات التي أضحت عليها الزهراء كانت من جراء إهمال وتقاعس الحكام ، كما أنه ينبه أن الدمع لا يغني ولا يعيد ما ذهب فهو يدعو إلى عملٍ يعيد إلى الوطن أمجاده ولعل السُّمَيْسِر لم يتحقق له ما كان يبغيه لملوك عصره من زوال وما كان يتوقعه لهم من هلاك حتى رأى سقوط عروشهم الواحد بعد الآخر على يد المرابطين ، وكأنه رأى الناس بين مستبشر بزوال ملكهم وبين مشفق على ما آل إليه مصيرهم فوقف يبين أن ما حلّ بهؤلاء الملوك إنما كان جزاءً لما عملته أيديهم .

يامشفعًا من خمول قومٍ ... ليس لهم عندنا خلاقُ

ذلّوا وقد طالما أذلّوا ... دعهم يذوقوا الذي أذاقوا (30)

وإذا السُّمَيْسِر قد وقف من ملوك عصره موقفًا رافضًا أشاد به الدارسون المحدثون ، وأدى ببعضهم إلى تفضيله على الشعراء الذين حفل بهم بلاط المعتصم فإنه وقف من أهل عصره موقفًا ساخرًا فيه كثير من الاستصغار لما يكبرون ، والاحتقار لما يمدحون ، وفيه كثير من النقمة على الحياة ، وسوء الظن بأهلها ، فلمّا لم يجد فيهم تلك الروح الإنسانية النبيلة التي ينبغي لها أن تتوفر في الجنس الآدمي حكم عليهم بأنهم شياطين من الأنس وقال متعوّذًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت