وكذلك وقف السُّمَيْسِر من ملوك عصره موقفًا مشرّفًا ، ففي الوقت الذي كان غيره من الشعراء يتملقونهم بقصائد المدح مبرزين حسناتهم ما كان منها وما لم يكن متغاضين عن سيّئاتهم وفساد تدبيرهم ، كان هو يقف في وجوههم صارخًا بأعلى صوته:
نادِ الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتُمُ
أسلمتم الإسلام في ... أسر العدى وقعدتمُ
وجب القيام عليكمْ ... إذ بالنصارى قمتُمُ
لا تنكروا شقَّ العصا ... فعصا النبيّ شققتمُ (25)
ويندد بخذلانهم الشعب ، وتخييبهم آماله في ما كان ينتظره منهم من عدل وإنصاف وإنعاش للحياة الاجتماعية ، وعدم التقاعس عن الدفاع عن حمى الوطن ، ويتوعدهم مهددًا بانقلاب الزمان ، وما يخبئ لهم من مفاجآت لا يدل تخاذلهم وتباغضهم على أنها سارّة .
رجوناكم فما أنصفتمونا ... وأمّلناكم فخذلتمونا
سنصبر والزمان له انقلاب ... وأنتم بالإشارة تفهمونا (26)
ولقد أصاب حدس السُّمَيْسِر في انقلاب الدهر على هؤلاء الملوكِ ، وكان ما توقعه لهم نتيجة طبيعية لقوم ألهتهم دنياهم عن دينهم ووطنهم ، وأدى بهم حب التملك والسيطرة إلى التناحر فيما بينهم ، والاستعانة بعدوّهم على بعضهم ، فكان أن ألقى إليهم حبالًا شنقوا بها أنفسهم وهم لا يشعرون . وشهد السُّمَيْسِر ما حل ببعضهم قبل الفتح المرابطي ، وتسنّى له التشفي بعد صبر وانتظار على غرار قوله في بني عامر وقد مزقهّم الدهر بتطاوله بعد عزٍّ وسلطان .
أصاب الزمانُ بني عامر ... وكان الزمان بهم يفخرُ
فعاد نهارهم مظلمًا ... وليلهم بعد لا يقمِرُ
وأيامهم بعد لا تزدهي ... وصبحهم ظلّ لا يسفِرُ
أماتهم الدهر قبل المنون ... فهم ميتون ولم يقبروا (27)
وعلى هذا النحو من التشفي يمضي السُّمَيْسِر في ذكر عهد بني عامر الغابر والذي لم يبقِ منه الزمان إلا الذكريات ، مستخلصًا من ذلك عبرةً لمن يعتبر في مَسحةٍ زهديةٍ إذ بقول:
كأنهم أربعٌ دارساتٌ ... فما لهمُ غير أن يذكروا
فأين السرير وأين السرور ... وأين القصور التي عمّروا ؟