رأيت بني آدم ليس في ... جموعهم منه إلا الصورْ
فلمّا رأيت جميع الأنام ... كذلك صرت كطير حذرْ
فمهما بدا منهم واحدٌ ... أقل قل أعوذ برب البشر (31)
وما دام الناس على هذه الصورة كما تبادر إلى ذهن السُّمَيْسِر فعلى العاقل ألا يطمئن إليهم وألا يظنّ بهم خيرًا ويجدر به أن يعتزلهم ويبتعد عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا
وظنّ بسائر الأجناس خيرًا وأما جنس آدم فالبعادا
وقد أحس الشاعر الغزال من قبل بهذا الإحساس وشك بالناس جميعًا بقوله:
إذا أخبرت عن رجلٍ بريءٍ ... من الآفات ظاهره صحيحُ
فسلهم عنه هل هو آدميٌ ؟ ... فإن قالوا نعم ، فالقول ريحُ!
ولكنْ بعضُنا أهلُ استتارٍ ... وعند الله أجمُعنا جريح
ومن إنعام خالقنا علينا ... بأنّ ذنوبنا ليست تفوحُ
فلو فاحت لأصبحنا هروبًا ... فرادى بالفلا ما نستريح
وضاق بكل منتحلٍ صلاحًا ... لتتن ذنوبه البلدُ الفسيحُ (32)
وتجزّأ موقفه هذا من ناس زمانه بصفة عامة إلى هجومه على شعراء عصره لما رأى فيهم من خلال سيئة فقال:
أنا أحب الشعر ولكن ... أبعضُ أهل الشعر بالفطرة (33)
فلست تلقى رجلًا شاعرًا ... إلا وفيه خلّةً تكره
ولعل نظرة السُّمَيْسِر إلى شعراء عصره بهذا المنظار كانت وليدة ظروف التنافس الذي أوقد بين الشعراء في أغلب الأحيان نار الحسد والبغضاء والتفاخر في ما بينهم وحطّ بعضهم من قيمة أشعار بعضهم على غرار قوله:
ياشعراء العصر لا تحسبوا ... شعركم مذ كان محسوسا
فإنما حيكم ميّتٌ ... كأنما محييكم عيسى
إن كان منظومكم عندكم ... سحرًا فمنظومي عصا موسى (34)
وواضح أن الشاعر أراد بعصا موسى أن يدل على ضرورة تفجير ثورة تطيح بحكام عصره ، فكل كلمة من كلماته تحمل مدلولًا يدل على نقمة عارمة . وذلك يتضح في أغراض شعرية أخرى تدل قراءتها الأولى على المعنى المباشر ، لكنها تعبر في معناها الثاني عن هدف الشاعر في تعرية الواقع . كما في قوله في وصف البعوض:
بعوضٌ شربن دمي قهوةً ... وغنينني بضروب الأغانْ