وإن أمت قبلهم تركتهم ... أهون بين الأنام من وتدِ (43)
إنه شعور الأب المعدم الفقير تجاه فلذات كبده ، شعور بالهلع والخوف من المستقبل ، فالسُّمَيْسِر بحكم تجربته مع الحياة لا يريد أن يجني على أبنائه بإخراجهم إلى دنيا الفقر والهوان ، دنيا الشياطين في صور الآدميين ، دنيا الذين لا يكرمون اليتيم ولا يحاضّون على طعام مسكين دنيا المجتمع الذي نقم على حكامه الذين كانوا سبب تعاسته .
ولكن مع هذا التشاؤم الذي لفّ حياة الشاعر في هذه الحقبة من حياته ، لا ينبغي أن نقول انه كان للشاعر نظرة مستقبلية لواقع مجتمعه المشتت وحياته المضطربة ، ولقد لخّص سيرة حياته بقوله:
قصتي ياسادتي مضحكة ... بينكمُ من حيث يبكي بالمُقَلْ
إن أجئكم بغريب قلتمُ ... عندنا أغربُ فاسكت أو فَقُلْ
أبصرَ النصّال دُرًا غاليًا ... قال عندي منه أغلى وأجَلْ (44)
هذه الأبيات لوحة ثنائية الوجوه فقد بادله المجتمع الحقد والرفض ـ كما ظهر له ـ فحقد هو بدوره عليه ورد له الحقد والكراهية .
لقد لفت السُّمَيْسِر بمقطعاته الهجائية اللاذعة أنظار بعض الباحثين فعدّوه أكثر شعراء عصر ملوك الطوائف جرأة وجسارة ولأنه عبّر عن ضمير الأمة بحق ، وكان صوته الغاضب هو صوت الشعب بأسره ، فقال عنه د. طاهر مكي: ( وله في زمنه موقف رافض حين رأى اختلال القيم وغلبة الصغّار وعجزه عن التعبير فأدار ظهره لكل ما حوله وجاء شعره رافضًا لكل ما تعنيه الكلمة في عصرنا الحديث . سخر ممّا يعظم الناس ، وهجا من يمدحون ، واحتقر ما يكبرون ، وجاء هجوه لهم مفحشًا ، ونقده قاسيًا فأهمله المؤرخون خوفًا ممن هجاهم ... كان داعية ثورة حين استطاب الناس المتع واللذة . وخلدوا إلى الدعة والراحة وآثروا الأمن والسلامة ) (45) .