فإذا كان مصير الحياة إلى زوال ، فلم التكالب على جمع الأموال ؟ ولم الشقاء في سبيل الجاه والكسب الحرام ؟ وأي شيء أفضل من أن يعيش الإنسان آمنًا مطمئنًا في ظل السلام ، لابسًا ثياب العفّة والطهارة ؟ ومتى يقتنع بأنه لا عيش إلا الكفاف ، وكل ماعداه إسراف ذاك ما يجيب عنه السُّمَيْسِر إجابة الزاهد المتقشّف إذ يقول:
دع عنك مالًا وجاهًا ... لا عيش إلا الكفافُ
قوتٌ حلالٌ وأمنٌ ... من الرّدى وعفافُ
وكل ما هو فضل ... فإنّه إسرافُ (40)
إنّ الطبيعة البشرية ميّاله إلى الشهوات ، واقتناص اللذات ، واكتناز القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والتفاخر بالأموال والبنين ذاك ما لاحظه السُّمَيْسِر نافيًا أن يكون هناك زهد مع السعة والغنى إذ يقول:
لله في الدنيا وفي أهلها ... معّميات قد فككناها
من بشر نحن فمن طبعنا ... نحب فيها المال والجاها
دعني من الناس ومن قولهم ... فإنما الناس خلاّها
لم تُقبلِ الدنيا على ناسكٍ ... إلا وبالرحب تلقاها
وإنما يعرض عن وصلها ... من صرفت عنه محيّاها (41)
هذه الآراء لا تصدر عن زاهد مال إلى المبادئ الزهدية وإنما تصدر عن شاعر خبر الدنيا وعاش تجاربها وعبر عنها متزهدًا لا زاهدًا وسواء أكان السُّمَيْسِر زاهدًا أم متزهدًا صرفت الدنيا عنه محيّاها فأعرض عن وصلها فإن له رأيًا في زينتها وبنيتها ومالها:
المال ذلٌّ وذل ... ألا يرى لك مال
فاحرص كأنك باقٍ ... فما لذي الفقر حال
واقنع فإنك فانٍ ... غدًا وكلّ محالُ (42)
فهو يدعو إلى الاعتدال ، والاعتدال جميل في كل شيء ، فعلى الإنسان أن يعمل لدنياه وكأنه يعيش أبدًا ، ويتحلّى بالقناعة عاملًا لآخرته وكأنه يموت غدًا وكان هذا رأيه في المال وهو الذي يدعو إلى الاعتدال ولكنه كما يبدو لم يستطع أن يحققه في مجتمع ظلمه ، وحرمه من حقوقه ، حرمه من المال والبنين:
يمنعني من تكسب الولدِ ... علمي بأنّ البنين من كبدي
فإن يعيشوا أعش على ظلع ... وإن يموتوا أمت من الكمدِ