( ثمار ما قد غرست تجني ) فهذا القول يحمل التهديد والتوعد ، وأن الزمن لا ينسى الأشرار هذا الشعور بالنقمة على حكام عصره ، الذي كان يلفظ كشرر النار الحارقة ، كان من أهم العوامل التي دفعت الشاعر إلى الزهد أو التزهد ، فقد رأيناه ناقمًا على الناس من حوله متعرضًا لهجائهم ساخطًا على الأوضاع المزرية التي كانت تتخبط فيها الأندلس إبان عصر الطوائف ، متخذًا منها مواقف إيجابية تمثلت في رفضها ومحاولة تغييرها .
ولكن صوت السُّمَيْسِر ما كان يسمع وسط تلك الأصوات الصاخبة ، أصوات الغناء ودنان الخمر ، أصوات السيوف المتقارعة من أجل السلطة وصهيل الخيول ، وهمسات الخداع والمكر ، وانقلاب موازين الحياة التي بدت وكأنها آفة كل عصر . فكان من الطبيعي أن تلجأ نفس ثائرة ثورة غير منظمة كنفس السُّمَيْسِر ، مستضعفة أو كما عبر عنها لسان حاله:
ليس لمن ليست له قدرة ... كالأخذ عنه الرزء بالصبر
أو لا فما حيلة مستضعفٍ ... ليس له فضل على الذرّ (38)
كان من الطبيعي أن تلجأ هذه النفس إلى العزلة وتخلد إلى الانطواء فتمتص تلك النقمة ، وذلك الشعور بالحرمان ، وتترجمه إلى تأمل في حال الدنيا ، واضطراب الدهر ، ومصير الإنسان وما عملته يداه يقول:
جملة الدنيا ذهابٌ ... مثلما قالوا سرابُ
والذي منها مشيدٌ ... فخراب ويبابُ
وأرى الدهرَ بخيلًا ... أبدًا فيه اضطرابُ
سالبٌ ما هو معطٍ ... فالذي يعطي العذاب
وليوم الحشر إنعامٌ ... سؤال وجوابُ
وصراط مستقيم ... يوم لا يطوى كتابُ
فاتِّقِ الله وجنّب ... كل ما فيه حسابُ (39)
هذه الأبيات التي تحمل معاني الزهد بشكل مباشر ، يحمل بين طياته معاني مستمدة من الواقع السياسي المضطرب .