فالهجاء ـ كما رأينا ـ لم ينقرض ولكنه اتخذ وجهات أخرى ، فلم يعد هو ذلك الهجاء القبلي أو الشخصي أو الذي يعتمد على الشتم الصريح ، بل تطوّر بتطوّر الزمن والحضارة والثقافة، واتخذ مسارًا جديدًا .
ولا أتفق مع الذين استبعدوا وجود الهجاء في الشعر الأندلسي ، وينادون بإسقاطه من دوواين الشعر العربي ، لأن ذلك تراث خلفه أسلافنا فضلًا عن أن الهجاء لا يقوم كلّه على البذاءة والإفحاش ، والنظر إلى الهجاء من هذا الجانب وحده لا يخلو من قصور وإجحاف ، فالهجاء من زاوية أخرى يمثل روح النقد والمعارضة لكثير من سلبيات الأفراد والمجتمع ، ووسيلة لإظهار أوجه القصور والخلل ، وكشف العابثين والمخادعين ، إنه يسعى إلى تحقيق عالم مثالي عن طريق السلب والإيجاب ، أو بطريقته الخاصة التي لا تتفق مع الطريقة التي تعارف الناس عليها . وقد قال د. محمد حسين: ( الواقع أنّ في الهجاء قوة بنائية إلى جانب هذا المظهر الهادم الذي هو أول ما يطالع المتصفّح له ، فهو حين يهاجم شخصًا من الأشخاص أو نظامًا من النظم أو نزعة من النزعات ، يتصّور في حقيقة الأمر حياة أخرى بأشخاصها ونظامها وأسلوبها وهي مثله الأعلى الذي يطمح إليه ويدعو له ، فالهجَّاء له فلسفة في الحياة يريد أن يؤديها إلينا(46)
هذه الفلسفة التي أوصلها السُّمَيْسِر من خلال هجائه أكدّت أنه مهما يكن من أمر فإن تشدد الحكام مع شعراء الهجاء لم يؤدِ إلى تكميم أفواههم أو إسكات ألسنتهم عن المجاهرة بمساوئهم ومثالبهم فعبّروا عن ضيقهم بهم وكشفوا عن أوجه الفساد في سياساتهم ، وتحدثوا عن أنفسهم في الترف والملذات ، وتشبثهم بكرسي الخلافة على حساب مصالح الرّعية .