فالعسكري يؤكد أن نقد الشعر والعلم به لا يحتاج إلى أن يكون الناقد شاعرًا، كما أنه ليس من الضرورة أن تتوفر المعرفة النقدية بأمور الشعر وخباياه لدى الشاعر. فالشعر يحتاج إلى موهبة وقدرة لغوية ومعرفية وفنية، بينما يجب على الناقد أن يمتلك الذوق والإحساس الفني، والثقافة اللغوية والمعرفة النقدية. يقول:"هذا الخليل بن احمد، وحماد الراوية، وخلف، والأصمعي، وسائر من يقول الشعر من العلماء، ليس شعرهم بالجيد من شعر زمانهم، بل في عصر كل واحد منهم خلق كثير ليس لجماعتهم علم واحد من هؤلاء وكلهم أجود شعرًا. فقد يقول الشعر الجيد من ليس له المعرفة بنقده، وقد يميزه من لا يقوله" [1] .
ولعل مقولة ابن المقفع الكاتب العباسي المعروف التي يسوقها العسكري في هذا المقام تبين أن العلماء من أكثر الناس معرفة بأمور الشعر، ولكنهم لا يمتلكون الموهبة لقول الشعر وابداعه، يقول العسكري:"وقد قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر مع علمك به؟، فقال: أنا كالمسنّ أشحذ ولا أقطع" [2] .
ولعل في تعبير العسكري عن إعجابه واستحسانه ببيت ابن الرومي واستحسانه له ما يدل على رهافة الإحساس، وجمال التذوق، حيث يقول العسكري:"وقال ابن الرومي فأحسن في وصف غروبها:"
كأن حنوَّ الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
تخاوص عينٍ من أجفانها الكرى ... يرنق فيها النوم ثم تغمض" [3] ."
فهذه اللوحة البسيطة تنقل صورة جميلة لغروب الشمس وهي تغرب، وهذه الصورة تشبه حالة الإنسان وقد أصابه النعاس. وهي مرحلة تشبه أصيل الشمس في لحظة غيابها. ولعل هذه الصورة هي التي أعجبت العسكري، فعدّها صورة جميلة أحسن الشاعر في إبداعها، وهذا يجسد قدرة العسكري على الإحساس بالقيمة الجمالية للصورة، وعلى ذوقه الفني أيضًا.
(1) - المصدر نفسه، ص5.
(2) - المصدر نفسه، ص6.
(3) - المصدر نفسه، ص42-43.