ولهذا فإن الدارس يلاحظ أن الآراء والقضايا النقدية، وكذلك التركيز على فن التشبيه عند العرب تعكس طبيعة المدرسة النقدية المحافظة في عصره، فالعسكري لغوي، وفقيه، ومهتم بالأخبار والنوادر، ولهذا لم يلتفت إلى موضوع البديع والاستعارة، بل توقف عند فن التشبيه وتعدده في البيت الواحد لأنه يمثل رغبة عند اللغويين الذين يرون في القدرة على التشبيه والتشبيه المتعدد في البيت الواحد براعة لغوية ترضي اهتمامهم.
وقد اشتمل كتاب المصون لأبي أحمد العسكري على الآراء والمعايير والقضايا النقدية التالية:
1-معيار الذوق الشخصي والإحساس الفني:
يردّ أبو أحمد العسكري معايير النقد الأدبي إلى الذوق الشخصي والإحساس الفني، فالنقد لا يعتمد على القدرة اللغوية أو المعرفة الشعرية فحسب، وإنما يعتمد على الموهبة والذوق في قراءة العمل الفني والإحساس بجوانبه الجمالية. ولذلك يرد العسكري المقولة التي تؤكد أن معرفة الشعر شيء ونقده شيء آخر، ولو كانت معرفة الشعر ونقده تؤديان إلى خلق الموهبة الشعرية لكان العلماء أكثر قدرة على قول الشعر من غيرهم. يقول:"قال أبو بكر: نقد الشعر وترتيب الكلام، ووضعه مواضعه، وحسن الأخذ، والاستعارة، ونفي المستكره والجاسي، صنعة برأسها، ولا تراه إلا لمن صحت طباعهم، واتقدت قرائحهم، وتنبهت فطنهم، وراضوا الكلام، ورووا وميزوا."
هذا شاعر حاذق مميز ناقد، مهذب الألفاظ، مثل البحتري، لم يكمل لنقد جميع الشعر. ولو أن نقد الشعر والمعرفة كان يدرك بقول الشعر وبالرواية، لكان من يقول الشعر من العلماء ويعرض له أشعر الناس" [1] ."
(1) - العسكري: المصون في الأدب، ص5.