فمعيار الجودة في الشعر عند العسكري يؤكد ضرورةاستكمال المعنى الشعري في البيت الواحد وعدم تجاوزه إلى البيت الثاني، وكأن العسكري يصر على أن يقوم شطر البيت الواحد بمعنى البيت كله لأنه يتضمن معنى مستقلًا وسهلًا مثل الحكمة أو الوعظ أو المثل بحيث يسهل حفظه. يقول:"وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى أبيات ابن الرومي:"
ومُهفهفٍ تمّتْ محاسنه ... حتى تجاوز منتهى النفسِ
تصبو الكؤوسُ بين مراشفه ... وتهشُّ في يده إلى الجَسِّ
أبصرتُه والكأسُ بين فمٍ ... منه وبين أنامل خمسِ
فكأنها وكأن شاربها ... قمرُ يقبل عارضَ الشمس
فقال أبو بكر: قد أحسن وملح، إلا أنه جاء بالمعنى في بيتين، واقتضى للبيت الأول دينًا على البيت الثاني، وخير الشعر ما قام بنفسه، وكمل معناه في بيته، وقامت أجزاء قسمته بأنفسها، واستغنى ببعضها لو سُكت عن بعض، مثل قول النابغة:
فلست بمستبقٍ أخًا لا تلُمُّه ... على شعثٍ أيُ الرجال المهذبُ
فهذا أجلّ كلام وأحسنه. ألا ترى أن قوله فلست بمستبق أخًا لا تلمه، كلام قائم وأحسنه" [1] ."
3-الموازنة بين الشعراء:
شغل النقد العربي في مرحلة مبكرة من التاريخ الأدبي عند العرب بقضية الموازنة بين الشعراء، ولعل فكرة الطبقة في كتاب ابن سلام الجمحي (ت 232هـ) "طبقات فحول الشعراء"تقوم على مبدأ الموازنة بين الشعراء، ومن ثم تم إدراجهم في طبقات معينة.
وتقوم الموازنة بين الشعراء من حيث تنوع الأغراض الشعرية، أو الصورة الفنية أو الموازنة الشعرية بين بيت شعري لهذا الشاعر وبيت لذاك الشاعر.
فقد تناول العسكري في باب الموازنة بين الشعراء عددًا من الموازنات التي يحكم من خلالها على شعر الشاعر قياسًا إلى شاعر آخر أو إلى شعراء آخرين لهم أشعار في المضمون الشعري نفسه أو الموازنة من حيث اللمحات الفنية بين الشعراء.
(1) - المصدر نفسه، ص8-9، كلمةبالجسّ في بيت الشعر تروى بالحبس أيضًا.