الصفحة 11 من 17

وقد بين العسكري أن مهمة الناقد صعبة وتفوق مهمة الصيرفي في نقد الدنانير، وهذا يؤكد أن الموازنة بين الشعراء من حيث المضمون أو البعد الفني مهمة صعبة. يقول:"أخبرنا أبو بكر النديم قال: حدثني يحيى بن علي أبو أحمد قال: نازعني محمد بن القاسم بن مهرويه يومًا فقال: دعبل أشعر من أبي تمام. فقال له: بأي شيء قدمته؟ فلم يأت بمقنع، فجعلت أنشده محاسنهما فيرى محاسن أبي تمام أكثر وأطرز، فأقام على تعصبه، فقلت فيه:"

يا أبا جعفر أتحكم في الشعـ ... ـر وما فيك آلةُ الحكامِ

إن نقد الدينار إلا على الصّيـ ... ـرف صعب، فكيف نقدُ الكلام

قد رأيناك ليس تفرقُ في الأشـ ... ـعار بين الأرواح والأجسام" [1] ."

كما اشتملت الموازنة بين الشعراء على موازنة البيت المفرد في موضوع معين مع ما يماثله عند جميع الشعراء، ولعل هذه الموازنة تجسد التعميم في الأحكام، كما تظهر النظرة الجزئية إلى العمل الفني من خلال معيار البيت المفرد الذي ينطلق منه الناقد للحكم على كل الشعراء. يقول العسكري:"أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو العيناء قال: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما قيل في اللون قول عمر بن أبي ربيعة:"

وهي مكنونة تحيّر منها ... في أديم الخدين ماء الشبابِ

شفّ عنها محقّق جنديٌّ ... فهي كالشمس من وراء السحاب" [2] ."

كما يردد العسكري في موضع آخر من كتابه فكرة الموازنة بين الشعراء من خلال الأحكام الفردية المطلقة وغير المعللة. يقول:"سمعت أبا بكر يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لو سئلت عن أحسن أبيات تصرفت من المراثي لم أختر على أبيات الخريمي:"

ألم ترني أبني على الليث بيته ... وأحثو عليه التُّربَ لا أتخشّع

وأعددته ذخرًا لكل ملمةِ ... وسهم المنايا بالذخائر مولع

وإبني وإن أظهرت مني جلادة ... وصانعت أعدائي عليه لموجع

(1) - المصدر نفسه، ص11.

(2) - المدصر نفسه، ص13، معنى المحقق هو الذي عليه وشيء شبه الحقق، والجندي نسبة إلى الجند، بالتحريك، وهو موضع باليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت